عبد الشافى محمد عبد اللطيف

110

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

الغلبة في النهاية . فحسم القرآن الكريم الأمر في سورة من سوره المكيّة التي سميت باسم سورة الروم فقال تعالى : ألم ( 1 ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( 3 ) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ( 4 ) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [ الروم : 1 - 5 ] . جاءت هذه الآيات الكريمة « تبشر بغلبة أهل الكتاب من الروم في بضع سنين غلبة يفرح لها المؤمنون الذين يودون انتصار ملة الإيمان من كل دين » « 1 » . وقد تحقق ما تنبأ به القرآن الكريم ، وكان حتما أن يتحقق ما أنبأ به العليم الخبير فمع بداية العقد الثالث من القرن السابع الميلادي ، بدأ تيار الحرب يتجه ليسير لصالح الروم ، وأحرزوا انتصارات كبيرة على الفرس ، وطردوهم من مصر والشام ، في أقل من ست سنوات ( 622 - 627 م ) ولا حقوهم في بلادهم ذاتها « وفتحت معركة نينوي ( سنة 627 م ) في العراق ، التي اندحر فيها الفرس الطريق أمام البيزنطيين - الروم - للزحف على بلاد فارس « 2 » » . وهنا نلاحظ وجود توافق أو اتفاق بين أحداث تاريخية كبيرة فهل كان هذا التوافق مجرد مصادفات ؛ أو أنه يسير وفق قوانين كونية وتدبير خفي لا يعمله إلا علام الغيوب وحده سبحانه وتعالى ؟ ! ! . فقد بعث النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلم ( سنة 610 م ) . وهي نفس السنة التي اعتلى فيها هرقل عرش الإمبراطورية البيزنطية ، وأخذ يهيئ الدولة لحرب الفرس وبدأ هجومه عليهم ( عام 622 م ) وهو نفس العام الذي هاجر فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلم من مكة إلى المدينة ، وتمكن هرقل من هزيمة الفرس - كما أسلفنا - ووقّع معهم ( سنة 628 م ) معاهدة صلح استعاد بمقتضاها كل المناطق التي استولوا عليها ، ثم استرد الصليب المقدس « 3 » وعاد هرقل من جولته مع الفرس منتصرا ، قاصدا بيت المقدس ليرد الصليب المقدس إلى مكانه ، ويحج إلى القدس شكرا للّه على انتصاره على الفرس . وهنا جاءته رسالة من النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، يدعوه فيها إلى الإسلام ، وكان ذلك بعد

--> ( 1 ) سيد قطب - في ظلال القرآن ( 21 / 22 ) . ( 2 ) د . عبد القادر أحمد اليوسف - الإمبراطورية البيزنطية ( ص 95 ) ، وانظر كذلك سانت موسى - ميلاد العصور الوسطى ( ص 233 ) . ( 3 ) الإمبراطورية البيزنطية د . عبد القادر أحمد اليوسف ( ص 95 ) .