عبد الشافى محمد عبد اللطيف
104
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
عبد اللّه والحكم بن كيسان - ولما كان هذا كله حدث في آخر شهر رجب ، ولما كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لم يأمرهم بالقتال ، فقد أوقف التصرف في القضية كلها حتى يحسم اللّه تعالى الموقف بوحي من عنده . لم يطل الانتظار ، فقد نزل قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [ البقرة : 217 ] . وكانت قريش قد حاولت أن تستغل الحادثة في الإساءة إلى سمعة النبي صلّى اللّه عليه وسلم بين العرب - الذين يعظمون الأشهر الحرم - ولكن اللّه تعالى يرد عليهم بما معناه أن القتال في الشهر الحرام كبير ، ولكن من الذي يتساءل عن الحرمات وعن الأشهر الحرم وعما يحل فيها ويحرم ؟ قريش التي انتهكت كل الحرمات ، وأخرجت المسلمين من الحرم وهم أهله ، وصدوهم عن المسجد الحرام ، وعن سبيل اللّه وكل ذلك أكبر عند اللّه من القتال في الشهر الحرام ، كذلك فتنة المسلم عن دينه ، ومحاولة إعادته إلى الكفر أكبر عند اللّه من القتال في الشهر الحرام وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا [ البقرة : 217 ] أي : لن يكفوا عن محاولاتهم لفتنة المسلمين عن دينهم فهم كما يقول ابن إسحاق : « مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين » . فلما حسم القرآن الكريم الموقف على هذا النحو ، ورفع الحرج عن المسلمين الذين قاموا بهذا العمل ، واعتبر عملهم أمرا مشروعا لا جناح عليهم فيه ، تصرف الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في الغنائم فخمسها - خمس للّه وللرسول إلخ - والأربعة الأخماس لأصحاب السرية ، وانتهى الموقف . ولكن من الممكن أن نعتبر أن سرية عبد اللّه بن حجش كانت مقدمة لغزوة بدر الكبرى ، التي سماها اللّه فرقانا ؛ لأنها فرقت بين عهدين وتاريخين وفرقت بين الحق والباطل ، ووجهت تاريخ الإنسانية كلها وجهة جديدة ، ألم يستغل أبو جهل - عليه لعنة اللّه - مقتل عمرو بن الحضرمي في تحريض قريش على القتال في بدر فمن المعروف أن روح الكف عن القتال كادت تسري في زعماء قريش ، وكادوا يرجعون إلى مكة دون قتال ، إذ إن القتال أصبح لا مبرر له - وقد نجت عيرهم - من وجهة نظر بعضهم ، وقصة عتبة بن ربيعة وتحريضه الناس على الرجوع إلى مكة دون قتال قصة معروفة ومشهورة ، حتى يروى أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إن يكن عند القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر » يقصد عتبة بن ربيعة ، فقد كان يركب جملا أحمر . ولكن دعوة عتبة بن ربيعة ذهبت أدراج الرياح تحت صيحات دعاة الحرب من أمثال أبي جهل - لعنة اللّه - فقد بعث إلى عامر بن