عبد الشافى محمد عبد اللطيف
101
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
جميع أعداء اللّه من المشركين ستدور الدوائر . وسينصر اللّه نبيه ويعز دينه وجنده ، ويهزم الأحزاب وحده . وسرية عبد اللّه بن جحش كانت حملة استطلاع ، وجمع معلومات ، ورصد أخبار عن قريش ، ولم تكن حملة قتال أو تصدّ لعير قريش ؛ إذ لا يعقل أن يرسل النبي صلّى اللّه عليه وسلم ثمانية أو حتى اثنى عشر - حسب رواية ابن سعد - من أصحابه ليقاتلوا قريشا في عقر دارها ، ولو كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يريدهم أن يقاتلوا لكان حجم الحملة أكبر من هذا بكثير ؛ فالهدف إذا هو جمع المعلومات ، وعندئذ كلما كان العدد أقل كانت الفرصة أكبر في تحقيق الهدف ؛ لأن القدرة على الاستخفاء - وهو من لوازم جمع المعلومات والاستطلاع - تكون أكبر . والدليل على أنها ليست حملة قتال قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم عند عودتهم : « ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام » والقتال إذن جاء اجتهادا من قائد الحملة ورفاقه . فقائد الحملة وهو عبد اللّه بن جحش لما رأى عير قريش وعليها تجارة وتوشك أن تدخل حرم مكة لعلّه ذكر ما صنع المشركون بهم حيث طردوهم من ديارهم وصادروا أموالهم ، لعله ذكر ذلك فثارت في نفسه روح الثأر والانتقام من قريش وإذلالها في عقر دارها ، أليس أخذ أبو سفيان بن حرب دار عبد اللّه بن جحش في مكة وباعها ؟ إذن القتال حدث نتيجة اجتهاد شخصي من قائد الحملة ، لا بأمر من الرسول صلّى اللّه عليه وسلم فأوامر الرسول كانت صريحة واضحة « إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصّد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم » « 1 » ؛ فليس في الأوامر ذكر للقتال أو التعرض لقوافل قريش . ولكن المستشرقين مولعون بتشويه التاريخ الإسلامي ، وتلفيق الروايات وتفسيرها تفسيرا خاصّا ليصلوا إلى ما يريدون من معلومات ليرتبوا عليها النتائج التي تعجبهم وتتفق مع مخططاتهم العدائية للإسلام ؛ فها هو منتجومري وات - صاحب كتاب محمد في المدينة - يحاول أن يوحي لقارئه ، وهو قارئ غربي أوربي معلوماته عن الإسلام وتاريخه ضئيلة إن لم تكن معدومة ، ولذلك فإن هذا القارئ معذور إذا وقع فريسة للمعلومات الخاطئة التي يقدمها من يسمّون أنفسهم مستشرقين عن الإسلام - يحاول منتجومري أن يوحي لقارئه الغربي بأن المسلمين كانوا قطاع طرق ، ويفسّر بعض الكلمات تفسيرا غربيا وكأنه يعرف أسرار اللغة العربية وما تدل عليه مفرداتها
--> ( 1 ) ابن هشام ( 2 / 239 ) .