محمد بن محمد ابو شهبة

657

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

من هيبته رعدة فقال له : « هوّن عليك ، فإني لست بملك ، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد » أي اللحم المشقّق المجفف . وقد فتحت عليه الدنيا ودانت له الجزيرة كلها فما أخرجه ذلك عن تواضعه وخلقه ، ولما دخل مكة فاتحا منتصرا طأطأ رأسه حتى لتكاد تمس مقدمة الرّحل تواضعا للّه تعالى ، إلى غير ذلك من الأخبار الصحاح والحسان ، التي زخرت بها كتب الحديث ، والسير ، والشمائل المحمدية . وشيء اخر لا نكاد نجد له مثيلا في تاريخ الدنيا ، وهو أدبه صلى اللّه عليه وسلم مع إخوانه الأنبياء والمرسلين ، فقد بلغ به التواضع ، وهضم النفس ، والإقرار بالفضل لذويه أن يظهر بعضهم بمنزلة فوق منزلته ، مع أنه أفضلهم جميعا بشهادة القران والحديث ، والتاريخ الصادق ، والواقع الذي لا ينكر ، ففي الكتاب الكريم يقول اللّه تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ « 1 » . فقد كاد يجمع المفسرون على أن المراد بقوله : « ورفع بعضهم درجات » هو نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم قال الزمخشري في تفسيره : ( أي ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء ، فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم بدرجات كثيرة ، والظاهر أنه أراد محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه هو المفضّل عليهم ، حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى الألف اية ، أو أكثر ، ولو لم يؤت إلا القران واحده لكفى به فضلا منيفا على سائر ما أوتي الأنبياء ، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر ، دون سائر المعجزات ، وفي هذا

--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 253 .