محمد بن محمد ابو شهبة
652
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
ومع هذا فقد كان يأكل اللحم ، ويؤتى له بالشاة المصلية - المشوية - فيجتز منها بالسكين ، ويحب الحلواء والعسل ، ويذهب إلى بئر عذبة لأبي طلحة فيشرب منها ، بل كان يستعذب له الماء من بيوت السّقيا على أميال من المدينة ، وكان يلبس الغليظ والخشن من الثياب ، ومع هذا يلبس البرود اليمنية ، والجبب الشامية ، وكانت له حلّة حسنة يستقبل بها الوفود ويحضر بها الأعياد والجمع . وكل ذلك من غير سرف ولا مخيلة ، فقد كان الغالب من أحواله التقلل والقصد ، وهذه هي الفضيلة حقا ، والنفوس الكبيرة هي التي تفرض سلطانها وإراداتها على الحياة ، وتأبى أن يكون لشيء في الدنيا سلطان عليها ، والتي تجد غناها من أنفسها لا من شيء خارج عنها ، وفي القمة من هؤلاء أولو العزم من الرسل ولا سيما خاتمهم عليه وعليهم الصلاة والسلام . ومع كثرة ما جلب إليه من الفتوح والنصر لم يتحول عن خلقه ، ولم يحتجز لنفسه ولا لأهله إلا ما يقوم بالضرورة ، ولم يتأثّل مالا ، بل صرفه في مصارفه ، وأغنى به غيره ، وقوّى به المسلمين ، وكان يقول : « ما يسرني أن لي أحدا ذهبا يبيت عندي منه دينار ، إلا دينارا أرصده لديني » « 1 » ، وأتته دنانير مرة فقسمها ، وبقيت منها ستة فدفعها لبعض نسائه فلم يأخذه نوم حتى قام وقسمها ، وقال : « الان استرحت » ، فلا تعجب إذا كان « مات ودرعه مرهونة عند يهودي نظير ثلاثين صاعا من شعير » « 2 » . وهكذا زهد في التوسع في الماكل والمشارب ، ليشبع الناس ، ولبس الخشن والغليظ ليكتسي الناس ، وسكن في حجر من الطين واللبن ليجد الناس المسكن الذي يؤويهم ، ويقيهم الحر والبرد ، ولو أراد أن يكون له إيوان كإيوان كسرى ، أو قصور كقصور الروم بالشام ، أو التبابعة باليمن لفعل ولكن كيف ؟ ! وهو المثل
--> ( 1 ) رواه البخاري ومسلم . ( 2 ) رواه البخاري .