محمد بن محمد ابو شهبة

650

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

فأنشأ يقول في ذلك شعرا ذكرناه فيما سبق ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اقطعوا عني لسانه » فأكملوا له المائة . وما كان هذا - علم اللّه - إسرافا ، ولكنها سياسة شرعية قصد بها النبي تأليف هؤلاء الذين لم يلبثوا أن صاروا من أخلص الخلصاء للإسلام ، وكان لهم في نشره جهاد مشكور ، وقد أراد النبي صلوات اللّه وسلامه عليه أن يبين لهم أن المال أهون شيء عليه ، فهو ليس بطالب مال ، وإنما طالب إيمان ، ومقيم دين ، وصانع رجال ، وأنه لا أرب له في اكتناز الأموال ، ولو كان عنده مال بعدد رمال الصحراء لما بخل به عليهم ، لأنه ليس من خلقه الشح ، عسى أن يعتبروا ، ويستعفوا عن مال المسلمين . ومن قبل أعطى حكيم بن حزام فاستزاد فأعطاه ، فاستزاد ثم قال له : « يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة ، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ، وكان كالذي يأكل ولا يشبع . . ) وقد أثر الدرس في نفس حكيم ، فإلى ألايأخذ من أحد شيئا بعد الرسول حتى توفاه اللّه ، وكان أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما يعرضان عليه عطاءه ، فيأبى أخذه . وجاءه عليه الصلاة والسلام رجل فسأله فقال : « ما عندي شيء ، ولكن ابتع علي « 1 » فإذا جاءنا شيء قضيناه » فقال له عمر : ما كلّفك اللّه ما لا تقدر عليه ، فكره النبي ذلك ، فقال رجل من الأنصار : يا رسول اللّه أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا ، فتبسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : « بهذا أمرت » « 2 » . وكذلك كان شأنه صلى اللّه عليه وسلم قبل النبوة ، مما يدل على أن خلق الكرم والسخاء متأصل فيه ، ففي حديث عائشة في بدء الوحي أن خديجة رضي اللّه عنها قالت له : ( ما كان اللّه ليفعل بك ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتكسب المعدوم ، وتعين على نوائب الدهر ) « 3 » والأخبار عن جوده أكثر من أن تحصى .

--> ( 1 ) ابتع علي أي اشتر واجعل الثمن دينا علي . ( 2 ) رواه الترمذي في الشمائل . ( 3 ) رواه الشيخان .