محمد بن محمد ابو شهبة
614
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
ولا بادت له حجة ، ولم يقم له خصم ، ولا أفحمه خطيب ، بل يبذّ الخطب الطوال بالكلم القصار ، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم ، ولا يحتج إلا بالصدق ولا يطلب الفلج « 1 » إلا بالحق ، ولا يستعين بالخلابة « 2 » ، ولا يستعمل المواربة « 3 » ، ولا يهمز ، ولا يلمز « 4 » ، ولا يبطىء ولا يعجّل ، ولا يسهب ولا يحصر « 5 » ، ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا ، ولا أقصد لفظا ، ولا أعدل وزنا ، ولا أجمل مذهبا ، ولا أكرم مطلبا ، ولا أحسن موقعا ، ولا أسهل مخرجا ، ولا أفصح معنى ، ولا أبين في فحوى « 6 » من كلامه صلى اللّه عليه وسلم كثيرا . . . ثم قال : قال محمد : قال يونس بن حبيب : ما جاءنا عن أحد من روائع الكلام ما جاءنا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقد جمعت لك في هذا الكتاب جملا التقطناها من أفواه أصحاب الأخبار ، ولعل بعض من لم يتسع في العلم ، ولم يعرف مقادير الكلم ، يظن أنّا قد تكلفنا له في الامتداح والتشريف ومن التزيين والتجويد ما ليس عنده ، ولا يبلغه قدره ، كلا ، والذي جرّم « 7 » التزيد عند العلماء وقبح التكلف عند الحكماء ، وبهرج الكذابين عند الفقهاء ، لا يظن هذا إلا من ضلّ سعيه . فمن كلامه صلى اللّه عليه وسلم حين ذكر الأنصار : « أما واللّه ما علمتم إلا لتقلّون عند الطمع ، وتكثرون عند الفزع » وقال : « الناس سواسية كأسنان المشط » « 8 » . . .
--> ( 1 ) الفلج - بفتح الفاء وفتح اللام وسكونها - الفوز والغلب . ( 2 ) الخداع . ( 3 ) المداهنة . ( 4 ) الهمز : العيب بالجوارح . واللمز : العيب باللسان ، وقيل هما بمعنى . ( 5 ) حصر يحصر حصرا من باب « تعب » عيّ في الكلام . ( 6 ) الفحوى : المعنى . ( 7 ) جرّم : جعله جرما وإثما . ( 8 ) رواه الديلمي .