محمد بن محمد ابو شهبة

612

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

بريحها ، وكان إذا مرّ في طريق يعرف أنه سلكه مما يخلفه فيه من طيبه . وثبت في صحيح مسلم أنه نام في دار أنس فعرق ، فجاءت أمه بقارورة فجمعت فيها عرقه ، فسألها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك ، فقالت : نجعله في طيبنا ، وهو من أطيب الطيب . وفي رواية أخرى لمسلم : ( فقالت : يا رسول اللّه نرجو بركته لصبياننا ) . قال : « أصبت » . كمال عقله وأما كمال عقله ، وأصالة تفكيره ، وبعد نظره فيتجلّى في كثير من تصرفاته ومواهبه السياسية قبل النبوة وبعدها ، وذلك كما حدث حينما حكّموه في قصة وضع الحجر الأسود ، وفي إعداد الجيوش ، ومباغتته للأعداء قبل أن يبغتوه في بلده ، وموقفه في القضاء على الفتنة التي كادت تقع بين الأوس والخزرج بسبب تأليب اليهود ، وبين المهاجرين والأنصار أثناء غزوة بني المصطلق ، ومواهبه الفائقة في عقد المعاهدات والصلح ، وفي معاملة الأصدقاء والأعداء ، حتى كان سببا في دخول الكثيرين منهم الإسلام ، وفي ترضية الأنصار بعد قسمة غنائم حنين ، إلى غير ذلك مما لا يحصيه العد . وقد عرضنا لذلك بالتفصيل في هذه السيرة العطرة . فصاحة لسانه وكان صلى اللّه عليه وسلم فصيح اللسان ، قوي العارضة ، يفصّل الكلام تفصيلا ، مع سلاسة طبع ونصاعة لفظ ، وقلة تكلف ، وجزالة معنى . وليس هذا بعجيب ممن كان في الذؤابة من قريش ، واسترضع في بني سعد ، ونشأ بمكة ، وأنزل عليه القران بلسان عربي بلغ أعلى درجات الفصاحة والبلاغة . وكان مما اتاه اللّه العلم بلغات العرب ولهجاتها ، فكان يخاطب كل قوم بلغتهم مما كان يدهشهم ويدهش الحاضرين من الصحابة ، حتى قالوا له : ما رأينا الذي هو أفصح منك ! ! فقال : « وما يمنعني وإنما أنزل القران بلسان