محمد بن محمد ابو شهبة

608

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

فرفع رأسه وقال استأذن لي على رسول اللّه ، فإني أظن أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ظن أني جئت من أجل حفصة ، واللّه لئن أمرني رسول اللّه بضرب عنقها لأضربنّ عنقها ! ! فأشار إليه الغلام : أن أذن لك ، فدخل على رسول اللّه ، وما زال يلاطفه حتى تبسم ، ثم نظر عمر في المشربة فوجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على حصير قد أثر في جنبيه ، وتحت رأسه وسادة من أدم ، حشوها ليف ، وفيها قرظ مجموع وأهب « 1 » معلقة وفرق من شعير ، فبكى . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما يبكيك يا عمر » ؟ ! فذكر عمر كسرى وقيصر وما هما فيه من ألوان النعيم وما رأى في المشربة ، أي - واللّه - عمر الزاهد يبكي لما رأى النبي في هذه الحالة ، ولو أن البكاء كان من غير عمر لجاز ، أما وهو من عمر فهذا موضع العبرة والعجب ! ! . ترى أيها القارئ ما ذا سيكون جواب الرسول ؟ ! وماذا سيكون حال الرسول ؟ أيبكي ، كما بكى عمر الزاهد ، أم يسكت على مضض وضجر ؟ ! لو أن النبي فعل هذا وشارك عمر في بكائه أو سكت وتحسر ، لكان قصارى أمره أنه عبقري ، أو أنه رجل مصلح ، ولكنه فوق ذلك : فوق العبقري وفوق المصلح ، إنه النبي بكل ما في « أل » من كمال النبوة الذي بلغت به الذروة في الفضيلة الإنسانية ، وإليك جواب النبوة الكاملة : « يا عمر ، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ ! أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا » ! ! . ويقف الزاهد المتقشف مدهوشا أمام هذا الجواب فيزداد يقينا إلى يقين أنه النبي حقا ، بعد أن أخذ من النبي صلى اللّه عليه وسلم درسا في زهد البطولة ، أو إن شئت فقل بطولة الزاهد .

--> ( 1 ) القرظ : ما يدبغ به الجلد ، أهب بضم الهمزة والهاء وبفتحها جمع إهاب : وهو الجلد .