محمد بن محمد ابو شهبة

599

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

الخلاف بما رواه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ما قبض نبي إلا ودفن حيث قبض » ، فقرّ رأيهم على أن يدفن في حجرة السيدة عائشة حيث مات . وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح « 1 » لأهل مكة ، وكان أبو طلحة الأنصاري - وهو الذي كان يحفر لأهل المدينة - يلحد « 2 » . فأرسل إليهما العباس رسولين ، فأما رسول أبي عبيدة فلم يجده ، وأما الثاني فقد وجد أبا طلحة ، فجاء به فلحد لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كأهل المدينة ، ونزل في الحفرة العباس ، وعلي ، وقثم ، والفضل ، وشقران ، ومعهم أوس بن خولي أيضا ، وأخذ شقران مولى رسول اللّه قطيفة كان يلبسها ففرشها للنبي في القبر ، وقال : واللّه لا يلبسها أحد بعدك . وبين الأسى والحزن والدموع ، وتفطر القلب على الحبيب المغيب في اللحد ، أهالوا التراب على القبر الشريف ، ثم رشّوا عليه الماء ، وكان ذلك في ليلة الأربعاء بعد يومين من وفاته صلى اللّه عليه وسلم ، فلما توفي الصدّيق دفن بجانب صاحبه ، وكان هناك موضع قبر كانت عائشة تدّخره لنفسها ، فلما طعن الفاروق أوصاهم أن يستأذنوا عائشة في أن يدفن بجانب صاحبيه ، فلما قبض استأذنوها ، فأذنت واثرته على نفسها ، وتحققت رؤياها ، فقد كانت رأت أن ثلاثة أقمار سقطن في حجرتها ، فكان الثلاثة هم الثلاثة أقمار الذين ملأوا الدنيا إيمانا وهدى ، وعدلا ورحمة ، ونورا وضياء ، ووضعوا الأساس الصالح للحضارة الإسلامية الفذة التي أرسى قواعدها هؤلاء السادة الأخيار ، وعزت عن أن يكون لها مثيل . ولم تكن القبور الثلاثة داخل المسجد حتى كان عهد الوليد بن عبد الملك ، فأمر نائبه على المدينة عمر بن عبد العزيز أن يوسع في المسجد من جميع جوانبه ، فاضطروا إلى إدخال الحجر في المسجد ومنها حجرة عائشة ، ومع هذا احتاطوا غاية الاحتياط ، فأحاطوا القبور بحائط مرتفع كيلا تظهر في المسجد فيصلي إليها

--> ( 1 ) في القاموس : ضرحه كمنعه . وضرح الميت حفر له ضريحا ، والضريح البعيد ، والقبر أو الشق وسطه أو بلا لحد . فالمعنى يشق وسط القبر . ( 2 ) في القاموس : ولحد القبر كمنع وألحده عمل له لحدا : وهو الشق بجانب القبر ثم يوضع فيه الميت .