محمد بن محمد ابو شهبة
588
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
ربيع الأول ، فقد أمر أن يستغفر لأهل البقيع ، فانطلق ومعه مولاه أبو مويهبة فقال : « السلام عليكم يا أهل المقابر ، ليهنىء لكم ما أنتم فيه مما أصبح الناس فيه ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع اخرها أولها » ثم أقبل على أبي مويهبة قائلا : « إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلود فيها ثم الجنة ، فخيّرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة » فقال أبو مويهبة : بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ، ثم الجنة ، قال : « لا واللّه يا أبا مويهبة ، لقد اخترت لقاء ربي والجنة » ، ثم استغفر لأهل البقيع وانصرف . وقد بدأ به وجعه فدخل على عائشة فوجدها تشتكي صداعا وتقول : وا رأساه . فقال : « بل أنا - واللّه - يا عائشة وا رأساه » ، ثم قال مداعبا لها : « وما عليك لو متّ قبلي ، فقمت عليك ، وكفّنتك ، وصليت عليك ، ودفنتك ؟ » وأثارت الكلمة الغيرة في نفسها ، فقالت : واللّه لكأني بك لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه بإحدى نسائك ، فسكت الرسول واعتبرها مداعبة بمداعبة . اشتداد المرض وكان رسول اللّه يطوف على نسائه ، كما هو شأنه في تعهدهنّ ، ورعاية غاية العدل بينهن ، فاشتدّ به المرض وهو في بيت السيدة ميمونة ، فدعا نساءه واستأذنهنّ أن يمرّض في بيت السيدة عائشة فأذنّ له ، فخرج بين عمه العباس وابن عمه علي تخط رجلاه الأرض ، حتى أتى بيتها . وكان يعوده أهله وأزواجه ، وهو ببيت عائشة ، وفي ذات يوم زارته ابنته فاطمة فرحب بها وأجلسها بجانبه ، ثم أسر إليها شيئا فبكت ، ثم سارّها ثانيا فضحكت ، فسألتها عائشة عن السر ، فأجابت بأنه سر ، ثم أخبرت فيما بعد أن النبي أعلمها بقرب انتهاء أجله ، وأمرها بالتقوى والصبر فبكت . ثم أخبرها أنها أول أهله لحوقا به ، وأنها سيدة نساء أهل الجنة فضحكت « 1 » .
--> ( 1 ) صحيح البخاري - باب علامات النبوة - وباب مرض النبي ووفاته .