محمد بن محمد ابو شهبة

577

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

فرغ من الرمي انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده ، وقال : « نحرت ههنا ومنى كلها منحر » ونحر سيدنا علي الباقي وهي تمام المائة ، ثم أمر أن يؤخذ من كل بدنة بضعة « 1 » ، فجعلت في قدر فطبخت ، فأكل من لحمها وشرب من مرقها . ثم حلق صلى اللّه عليه وسلم شعره والصحابة مطيفون به ، ما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد واحد منهم ، وبذلك أحلّ صلى اللّه عليه وسلم ولبس ثيابه وتطيب قبل أن يطوف بالبيت ، والمسلمون جميعا يقتدون به في كل ما يصنع من المناسك ، ثم أمر عليا أن يتصدق بلحوم البدن وجلودها وجلالها ، ففعل . إلى الكعبة ثم ركب صلى اللّه عليه وسلم حتى جاء البيت ليطوف طواف الإفاضة ، وهو ركن من أركان الحج بالإجماع ، فطاف وصلّى بمكة الظهر ، ولم يسع بين الصفا والمروة ، ثم أتى بني عبد المطلب وهم يسقون الناس على بئر زمزم وقال : « انزعوا بني عبد المطلب ، فلو لا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم » فناولوه دلوا فشرب منه حتى تضلّع ، وأتى السقاية « 2 » التي يقوم بها العباس فقال : « اسقوني » فقال العباس : يا فضل ، اذهب إلى أمك فأت رسول اللّه بشراب من عندها فإن هذا يجعل الناس أيديهم فيه ، فقال النبي : « لا حاجة لي فيه ، اسقوني مما يشرب الناس » . وهكذا أبى النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يتميز على أمته حتى في الشراب ، وهذا غاية العدل والمساواة ، وهكذا فليكن الملوك والأمراء ، والقادة والرؤساء . ثم عاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى منى بعد الظهر ، فنزل حيث المسجد الموجود اليوم فيما يقال ، وأنزل المهاجرين عن يمينه ، والأنصار عن يساره ، والناس حولهم من بعدهم .

--> ( 1 ) بضعة بفتح الباء : أي قطعة . ( 2 ) كانوا ينقعون التمر والزبيب في الماء ويسقون الناس ، وهو من ماثر الجاهلية التي أقرها الإسلام .