محمد بن محمد ابو شهبة

575

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

وأكثر من الدعاء لأمته في هذا اليوم العظيم يوم عرفة ، وكان يوم الجمعة ، هذا اليوم الذي تسكب فيه العبرات ، وتستجاب الدعوات ، ويتجلى اللّه فيه على عباده فيباهي بهم الملائكة ، ويقول : « يا ملائكتي هؤلاء عبادي جاؤوني شعثا غبرا « 1 » ، يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يروني ، فكيف لو رأوني ، فلو كانت ذنوبهم كعدد الرمل لغفرتها لهم ، أفيضوا عبادي مغفورا لكم ولمن شفعتم فيه » « 2 » . وقد روي : « أن النبي لما أكثر من الدعاء لأمته بالمغفرة أوحى اللّه إليه أنه غفر كل شيء إلا ظلم بعضهم بعضا » « 3 » . ما نزل في يوم عرفة وفي هذا اليوم المشهور نزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم قول اللّه تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً . ولما نزلت هذه الآية بكى بعض الصحابة - ومنهم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه - وكأنهم فهموا منها الإشارة إلى قرب أجل الرسول ، ولما قيل لسيدنا عمر : ما يبكيك ؟ قال : إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان . خطأ مشهور وهو ما يزعمه البعض من أن هذه الآية اخر ما نزل من القران ، وهو غلط لم يقل به أحد من العلماء ، والحق أن اخر اية نزلت هي قوله تعالى في سورة البقرة : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . والمراد بإكمال الدين : إما إتمام حجهم على حسب ما شرع اللّه ، وإذلال الشرك وأهله بحيث لم يشاركهم فيه أحد من المشركين ، وهو تمام النعمة

--> ( 1 ) بضم الشين ، والغين : جمع أشعث وأغبر . ( 2 ) رواه عبد الرزاق في مصنفه ، وأصله في صحيح مسلم كتاب الحج من باب فضل يوم عرفة ، وروى نحوه الإمام أحمد في مسنده . ( 3 ) رواه البيهقي .