محمد بن محمد ابو شهبة
548
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
ما باهل قوم نبيا إلا هلكوا ، فأبوا أن يلاعنوه وقالوا : احكم علينا بما أحببت ، فصالحهم على ألفي حلة ، ألف في رجب ، وألف في صفر ، وعلى عارية ثلاثين درعا ، وثلاثين رمحا ، وثلاثين بعيرا ، وثلاثين فرسا إن كان باليمن كيد ، واشترط عليهم ألايتعاملوا بالربا ، وأمّنهم على أنفسهم ودينهم وأموالهم وكتب لهم كتابا جاء فيه : « ولنجران وحاشيتهم جوار اللّه وذمة محمد النبي رسول اللّه على أنفسهم ، وملتهم ، وأرضهم ، وأموالهم ، وغائبهم ، وشاهداهم وبيعهم ، لا يغير أسقف على سقيف ، ولا راهب عن رهبانيته ، ولا واقف عن وقفانيته » وأشهد على ذلك بعض المسلمين ، ثم رجعوا إلى بلادهم فلم يلبث العاقب والسيد إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي فأسلما ، وأنزلهما دار أبي أيوب الأنصاري وأقام أهل نجران على ذلك حتى توفّى اللّه نبيّه . وتولى الصدّيق الخلافة فأحسن معاملتهم وأوصى بهم عند وفاته ، وفي عهد الفاروق عمر تعاملوا بالربا ، فأخرجهم من أرضهم وكتب لهم : ( هذا ما كتب عمر أمير المؤمنين لنجران من سار منهم أنه امن بأمان اللّه ، لا يضرهم أحد من المسلمين ، وفاء لهم بما كتب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأبو بكر ، أما بعد : فمن وقعوا به من أمراء الشام ، وأمراء العراق فليوسعهم من جريب الأرض فاعتملوا من ذلك فهو لهم صدقة ، وعقبة لهم بمكان أرضهم لا سبيل عليهم فيه لأحد ، ولا مغرم . أما بعد : فمن حضرهم من رجل مسلم فلينصرهم على من ظلمهم فإنهم أقوام لهم الذمة ، وجزيتهم عنهم متروكة أربعة وعشرين شهرا بعد أن تقدموا ، ولا يكلفوا إلا من ضيعتهم التي اعتملوا غير مظلومين ولا معنوف عليهم ) وأشهد على ذلك عثمان بن عفان واخر ، فوقع أناس منهم بالعراق فنزلوا النجرانية التي بناحية الكوفة ، وذهب بعضهم إلى الشام « 1 » . وما حدث من النبي وخليفته هو غاية العدل والإحسان والتسامح مع النصارى ، ولولا أنهم تعاملوا بالربا ، وأصبحوا يكونون خطرا اجتماعيا
--> ( 1 ) الطبقات الكبرى ج 1 ص 358 .