محمد بن محمد ابو شهبة
542
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وفد مزينة مع أنه قال إنه كان في رجب سنة خمس . وذكر البخاري في الوفود وفد عبد القيس مع أنه كانت وفادتهم سنة خمس أو قبلها ، ولم يتعرض لوفادتهم الثانية وهي المرادة هنا . وكذلك ذكر ابن سعد وفد محارب مع أنه قال : إن قدومه كان سنة عشر في حجة الوداع ؛ وقد نبه إلى هذا الحافظ المؤرخ ابن كثير في بدايته « 1 » ، والحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري « 2 » ، وقد تابع بعض الكتاب المتأخرين في السيرة السابقين فيما ذكروا من غير تحرّ وتحقيق . وقد رأيت أن أذكر أهم هذه الوفود لما في أخبارها من فقه وعلم ، وخلق وأدب ، وحسن سياسة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وغاية كياسته في معاملة هذه الوفود ، وإجاباته لهم ومحاوراته معهم . وفد بني تميم وكان السبب في قدومهم - كما ذكر الواقدي - أنهم أغاروا على قوم من خزاعة ، فبعث إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عيينة بن حصن الفزاري في خمسين رجلا ليس فيهم أنصاري ولا مهاجري ، فأسر منهم أحد عشر رجلا ، وإحدى عشرة امرأة ، وثلاثين صبيا ، فقدم رؤساؤهم وأشرافهم بسبب أسراهم في وفد عظيم منهم : عطارد بن حاجب بن زرارة ، والأقرع بن حابس ، والزبرقان بن بدر ، وعمرو بن الأهتم ، وقيس بن عاصم ، فدخلوا المسجد ، وقد أذن بلال الظهر والناس ينتظرون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليخرج إليهم ، فتعجل هؤلاء ، فصاروا ينادون من وراء حجرات نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم : اخرج يا محمد فإنّ مدحنا زين ، وذمنا شين . وأكثروا من هذا النداء الجافي العاري عن الأدب في مخاطبة الرسول . فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مغضبا وقال : « ذاك اللّه عز وجل » . فأنزل اللّه بسببهم هذا التأديب الإلهي ، موبخا لهم على ما فعلوا فقال عز شأنه :
--> - الحافظ ابن حجر ( الفتح ، ج 1 ص 144 ) ، ويكون الحق مع ابن إسحاق في ذكره عام الوفود . ( 1 ) ج 5 ص 40 - 61 . ( 2 ) ج 8 ص 69 .