محمد بن محمد ابو شهبة

538

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

أحد ممن يقدم عليهم من غيرهم أول ما يطوف إلا في ثياب أحدهم ، فإن لم يجد طاف عريانا ، فإن خالف وطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ ، ثم لم ينتفع بها ، فلما جاء الإسلام هدم ذلك كله فيما هدم من العقائد والخرافات ، وقال العلامة ابن كثير : كانت العرب ما عدا قريشا لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها ، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا اللّه فيها ، وكانت قريش - وهم الحمس - « 1 » يطوفون في ثيابهم ، ومن أعاره أحمسي ثوبا طاف فيه ، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه ، ومن لم يجد ثوبا جديدا ولا أعاره أحمسي ثوبا طاف عريانا ، وربما كانت امرأة ، فتطوف عريانة ، فتجعل على فرجها شيئا ليستره بعض الستر ، وتقول : اليوم يبدو بعضه أو كلّه * وما بدا منه فلا أحلّه وأكثر ما كان الناس يطوفون عراة بالليل ، وكان هذا ابتدعوه من تلقاء أنفسهم ، واتبعوا فيه أهواءهم ، ويعتقدون أن فعل ابائهم مستند إلى أمر من اللّه وشرع ، فأنكر اللّه عليهم ذلك فقال : وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ « 2 » . وقد كان المشركون يجتمعون مع المسلمين في الحج ، فأراد اللّه ألا يكون ذلك ، فقد دالت دولة الشرك والأوثان ، وأصبحت كلمة اللّه هي العليا ، وقد امتثل المشركون فلم يأت مشرك عام حجة الوداع ، وانفرد المسلمون بالبيت لا يشاركهم فيه أحد ، قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ

--> ( 1 ) الحمس : جمع أحمس كأحمر ، سميت قريش بذلك ، لتحمسها أي تشددها على أنفسها في عبادتها ودينها ، وقيل : سموا حمسا بالكعبة لأنها حمساء حجرها أبيض يضرب إلى السواد . ( 2 ) تفسير ابن كثير والبغوي ، ج 3 ص 464 . والآية هي 28 من سورة الأعراف .