محمد بن محمد ابو شهبة

534

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

للّه ولرسوله ، ولو لم يجب صلى اللّه عليه وسلم ابنه وترك الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح لكان سبة وعارا على ابنه وقومه ، فالرسول الكريم اتبع أحسن الأمرين في السياسة إلى أن نهي فانتهى . وهو لم يفعل ذلك لاعتقاده أنه يغفر له ، وليس أدل على ذلك مما رواه أبو الشيخ عن قتادة : أنهم ذكروا القميص بعد نزول الآية فقال عليه الصلاة والسلام : « وما يغني عنه قميصي ، إني لأرجوا أن يسلم به أكثر من ألف من بني الخزرج » أي يتخلصوا من نفاقهم ، وينقادوا ظاهرا وباطنا للّه ولرسوله ، وأما إعطاؤه القميص فلأن الضن به يخل بالكرم ، وقد كان من خلق رسول اللّه ألايرد طالب حاجة قط ، على أنه كان مكافأة له على إعطائه العباس عم الرسول قميصه لما جيء به أسيرا يوم بدر « 1 » ، وكان من خلق رسول اللّه وال بيته رد الجميل بخير منه . وقد استشكل بعض العلماء حديث عمر وابنه ، واستبعدوا أن يفهم النبي من الآية التخيير لأن الظاهر أن « أو » للتسوية في عدم النفع ، وأن يفهم من ذكر السبعين التحديد لأن ظاهر السياق أنها للتكثير ، فقال بعضهم : إنه خبر احاد لا يعوّل عليه ، وأنكر بعضهم صحته « 2 » ، وكل هذا وذاك غير سديد ، فالحديث صحيح رواه البخاري ، ومسلم ، والنسائي ، وابن ماجة ، وكفى بهم أئمة . والذي ظهر لي - واللّه أعلم - بعد النظر والتأمل في الآية والأحاديث وما قاله الأئمة : أن الآية تحتمل التسوية ، وهو الأظهر ، وأن المراد بالسبعين التكثير لا التحديد وهو الأظهر أيضا ، وفي رواية عمر السابقة ما يدل على أن النبي كان يرى ذلك فقد قال : « لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر له ، لزدت » وتحتمل أيضا التخيير في « أو » ، وتحتمل التحديد في لفظ السبعين وهما مرجوحان قطعا .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ، ج 10 ص 154 . ( 2 ) فتح الباري ، ج 8 ص 272 - 273 .