محمد بن محمد ابو شهبة
530
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
فلما أسلموا صاموا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما بقي من شهر رمضان ، وكان رسول اللّه يأتيهم كل ليلة ، فيعظهم ويفقههم وهو قائم ، فأبطأ عليهم ذات ليلة فسألوه ، فقال : « طرأ عليّ حزبي فكرهت أن أجيء حتى أتمه » فسألوا الصحابة كيف تحزّبون القران ، فقالوا : « ثلاث وخمس وسبع وتسع ، وإحدى عشرة سورة ، وحزب المفصّل واحده » « 1 » . ثم أمرّ عليهم بمشورة الصدّيق عثمان بن أبي العاص ، لحرصه على القران والنفقة في الإسلام ، وكان مما أوصاه به أنه قال : « من أمّ قوما فليخفف ، فإن فيهم الضعيف والكبير ، وذا الحاجة ، فإذا صلّى واحده فليصلّ كيف شاء » « 2 » . وفي سنن ابن ماجة أن النبي بيّن له أن يقرأ بسورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وأشباهها من القران ، وكانت تلك حكمة بالغة من الرسول ؛ فإن قوما رغبوا أن يتحللوا من الصلاة ينبغي أن يخفف عنهم في الصلاة حتى لا يسأموا ، ولعل في هذا بلاغا للذين ينفّرون الناس أو بعضهم بإطالة الصلاة . فلما رجعوا إلى بلادهم بعث معهم رسول اللّه أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم ( اللات ) ، فتولى المغيرة هدمها حتى جاء على أساسها بعد أن أشفق عليه قومه أن يصاب كما هي عقائدهم الخرافية ، فأيقنوا - وقد فرغ من هدمها وهو معافى - أنها حجارة لا تضر ولا تنفع ، وهكذا طهر اللّه أرض ثقيف من الأصنام ، ووفقهم إلى عبادة اللّه واحده . وذكر موسى بن عقبة في مغازيه أن وفد ثقيف لم يجرؤوا أن يصارحوا قومهم بإسلامهم وما عاهدوا الرسول عليه ، وقالوا : إنه يريد أن يحرم علينا الربا والزنا والخمر ، فنفروا وقالوا : لا نطيع له أبدا ، وتأهبوا للقتال ، ومكثوا على ذلك يوما أو يومين ، ثم ألقى اللّه في قلوبهم الرعب فرجعوا وقالوا : ارجعوا إليه فشارطوه على ذلك وصالحوه ، فقالوا لهم : فإنا قد فعلنا ذلك ووجدناه أتقى الناس ، وأوفاهم ، وأرحمهم ، وأصدقهم ، وقد بورك لنا ولكم في سيرنا ، وفيما
--> ( 1 ) رواه أبو داود . ( 2 ) رواه أحمد ومسلم .