محمد بن محمد ابو شهبة
525
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وواقعا سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ : جنته إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثم استطرد سبحانه إلى ذكر خيار المؤمنين فقال : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ . . . الآية . ثم بيّن اللّه أن في الأعراب منافقين ، وفي أهل المدينة منافقين فقال : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ ، وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ : أي مرنوا عليه لا تَعْلَمُهُمْ يا محمد يقينا ، وإنما تعلمهم بعلاماتهم وأماراتهم ، فهو لا ينافي قوله سبحانه في سورة محمد : وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ « 1 » أو معناه لا تعلمهم جميعا ، وهو لا ينافي أنه كان يعلم بعضهم ، وقد روي أنه صلى اللّه عليه وسلم أسرّ إلى حذيفة بأسماء بعضهم . نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ، سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ اختلف في تفسير المرتين على أقوال عدة ، فقيل الفضيحة في الدنيا وعذاب القبر ، وقيل المصائب في الأموال والأولاد ، وقيل بافتضاح أمرهم ، وبما كان يداخلهم من الغم والحزن عند ظهور الإسلام . والذي يترجح عندي أن المراد به التكثير لا التحديد ، فهو مثل قوله سبحانه : ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ويكون المراد ما ينزل بهم في الدنيا من بلاء ومصائب وافتضاح ، وما كان يحزّ في نفوسهم كلما حصل للمسلمين نصر وظهور وللإسلام انتشار ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ : عذاب جهنم خالدين فيها أبدا . قال تعالى : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ الآية ، هم أبو لبابة وأصحابه ، وقد قدّمنا قصتهم خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ : بها من ذنب تخلفهم بغير عذر كسلا وتهاونا ، لا نفاقا ولا شكا وَتُزَكِّيهِمْ بِها : من شبهة النفاق إلى منازل المخلصين ، والضمير في أَمْوالَهُمْ * قيل للمذكورين في الآية السابقة فإنهم لما تاب اللّه عليهم عرضوا على النبي أن يتصدقوا بأموالهم ، فأخذ منهم الثلث وترك الباقي ، وعلى هذا يكون المراد بالصدقة صدقة النفل كفارة
--> ( 1 ) لحن القول : فحواه ومعناه الذي يفهم منه نفاقهم ، وذلك بما يبدو منهم رغما عنهم ويظهر من فلتات لسانهم ، وعلى قسمات وجوههم ، ورضي اللّه عن ذي النورين عثمان حيث قال : ( ما أسر أحد سريرة إلا أبداها اللّه على صفحات وجهه ، وفلتات لسانه ) .