محمد بن محمد ابو شهبة
520
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
ثم عاد إلى الحث على غزوة تبوك فقال : انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا ، وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ : قيل إنها أول ما نزل من سورة براءة ، وهو قول سديد يتفق وما روي أن صدر السورة نزل قبيل خروج أبي بكر أميرا على الحج سنة تسع أو بعد خروجه بقليل ، وتبوك قبل حجة الصديق قطعا . ومعناها : شبابا وشيبا ، وأغنياء وفقراء ، وأقوياء وضعفاء ، ومشاة وركبانا ، في العسر واليسر ، والمنشط والمكره . ثم من العلماء من يرى أن ذلك كان في أول الأمر بسبب ما لابس تبوك من ظروف ، ثم نسخ باية لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى . . . . واية : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ، وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ، ومنهم من يرى أنها محكمة ، وكان بعض السلف الصالح على هذا ، ويخرج للجهاد على أي حال « 1 » منهم أبو أيوب الأنصاري والمقداد بن عمرو من الصحابة ، ومن التابعين سعيد بن المسيب كما قدمنا . ذلِكُمْ : أي الجهاد بالنفس والمال خَيْرٌ لَكُمْ : في الدنيا لما فيه من العزّة والظهور على الأعداء ، والآخرة لأن اللّه ضمن للمجاهدين في سبيل اللّه الجنة . ثم وبّخ اللّه المتخلفين في تبوك فقال : لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً : أي غنيمة قريبة المتناول . وَسَفَراً قاصِداً : قريبا هيّنا . لَاتَّبَعُوكَ : لخرجوا معك . وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ : المسافة . وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ : لكم إذا رجعتم إليهم قائلين : لَوِ اسْتَطَعْنا : الخروج ، لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ . . . : بالتخلف من غير عذر والأيمان الكاذبة . كان جماعة استأذنوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يتخلفوا عنه فأذن لهم ، وكان الأولى أن لا يأذن لهم لأنهم لا أعذار لهم ، فعاتبه اللّه على هذا ، وهذا من ألطف أنواع الكلام ، حيث قدّم العفو على العتاب . وهو يدل على غاية إكرام اللّه لخاتم
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير والبغوي ، ج 4 ص 179 .