محمد بن محمد ابو شهبة

516

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا ، وإني لأرجو أن يحفظني اللّه فيما بقيت . وأنزل اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلم : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ إلى قوله : وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ « 1 » . وقفات عند هذه القصة وإن لنا في هذه القصة لعبرا وعظات وآيات بينات ، تدل على فضل الصحابة وما وصلوا إليه من سمو في الدين والأخلاق وتقدير للمعاني الروحية والقيم الأدبية ، منها : 1 - صدق الإيمان ، وقوة اليقين ، وحضور القلب ، وكيف يسمو الإيمان بصاحبه حتى يرى السعادة الحقة الكاملة في رضوان اللّه ورسوله ، والشقاوة كل الشقاوة في غضبهما وإنا لنلمس هذا في قول كعب : ( حتى تنكرت لي الأرض ، فما هي بالتي أعرف ) . وفي بعض الروايات : ( تنكرت لنا الحيطان ، وتنكر لنا الناس ، حتى ما هم الذي نعرف ) . وهذا المعنى يجده الحزين والمهموم في كل شيء ، حتى قد يجده في نفسه فينكرها ، بل نلمس هذا المعنى بصورة أكبر في قول اللّه عنهم : وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ . والإنسان قد تضيق به الأرض من سوء من يجاوره أو لعدم وجود من يشاكله ، ومع هذا فيكون في اطمئنان من قلبه ، ورضى من نفسه ، ورحابة من صدره ، ولكن أضيق الضيق أن تضيق بالإنسان نفسه ، وحينئذ تصير الحياة مهما أحيطت بمظاهر النعيم جحيما لا تطاق ، ويكون الموت خيرا من الحياة ، وهذا يدل على مبلغ ما كان يتمتاع به هؤلاء الثلاثة من قلوب متيقظة ونفوس شفافة وضمائر حية . 2 - إن المقاطعة والهجر كان نوعا من أنواع التأديب والزجر في صدر الإسلام ، وقد أثمر هذا اللون من التأديب ثمرته ووصل بهم إلى هذه الخاتمة السعيدة الموفقة ، وإن أضر شيء على أي مجتمع أن يجد فيه أهل الفسق

--> ( 1 ) سورة التوبة : الآيات 117 - 119 .