محمد بن محمد ابو شهبة
505
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
ونعمّا أشار به الفاروق ، فإنه ربما يكون من المخاطرة الحرب في بلاد الشام ، مع أن الجزيرة لم تكن أسلمت أو استسلمت كلها ، وقد تمّ ذلك بعد تبوك . قدمت ثقيف مسلمة ومذعنة في هذا العام وما بعده حتى صارت الجزيرة كلها على قلب رجل واحد ، وبذلك حصل التهيؤ للجهاد والفتوحات خارج الجزيرة وتبليغ الإسلام للناس كافة ، وهذا ما قام به الخلفاء الراشدون بعد وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم . موت ذي البجادين « 1 » وفي طريق الأوبة مات عبد اللّه ذو البجادين ، فحفروا له ونزل رسول اللّه في حفرته ، وأبو بكر وعمر يدليانه إليه . وإذا هو يقول : « أدنيا لي أخاكما » فدلياه فلما هيأه لشقه قال « اللهم إني قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه » . مكيدة بعض المنافقين كان بعض المنافقين في الأوبة تامروا على رسول اللّه أن يزحموه في الطريق وهو على رأس عقبة - مكان عال - ولكن اللّه عصمه منهم . روى البيهقي عن حذيفة بن اليمان قال : كنت اخذا بخطام ناقة رسول اللّه ، وعمار يسوق الناقة ، حتى إذا كنا بالعقبة إذا باثني عشر رجلا قد اعترضوه فيها ، قال : فأنبهت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فصرخ فيهم ، فولّوا مدبرين ، فقال رسول اللّه : « هل عرفتم القوم ؟ » قلنا : لا ، يا رسول اللّه ، قد كانوا متلثمين ، قال : « هؤلاء المنافقون يوم القيامة ، وهل تدرون ما أرادوا ؟ » قلنا : لا ، قال : « أرادوا أن يزحموا رسول اللّه في العقبة فيلقوه منها ! ! » قلنا : أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم ؟ قال : « لا ، أكره أن يتحدث العرب أن محمدا قاتل بقومه حتى إذا أظهره اللّه بهم أقبل عليهم يقتلهم » ودعا عليهم .
--> ( 1 ) البجاد بكسر الباء وبالجيم هو الكساء الغليظ المخطط ، كان يريد الإسلام فمنعه قومه وضيقوا عليه حتى خرج من بينهم وليس عليه إلا بجاد فشقه اثنين ، فائتزر بواحد وارتدى بالاخر وقدم على رسول اللّه فقيل له : ذو البجادين لذلك .