محمد بن محمد ابو شهبة
502
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
النزول بالحجر ولما مرّ رسول اللّه بالحجر - ديار ثمود - قال : « لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين ، أن يصيبكم مثل ما أصابهم » ثم قنّع « 1 » رأسه وأسرع السير حتى أجازوا الوادي « 2 » . وروى الإمام أحمد بسنده عن ابن عمر قال : نزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالناس عام تبوك الحجر عند بيوت ثمود ، فاستقى الناس من الابار التي كانت تشرب منها ثمود ، فعجنوا ونصبوا القدور باللحم ، فأمرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأهرقوا القدور ، وعلفوا العجين الإبل ، ثم ارتحل بهم حتى نزل البئر التي كانت تشرب منها الناقة ، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذّبوا فقال : « إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم ، فلا تدخلوا عليهم » . وذكر ابن إسحاق نحو ذلك وكذا البخاري في صحيحه ، وهكذا لا يجد النبي فرصة للاعتبار إلا ذكّرهم وحذّرهم . انسحاب الروم ولما وصل جيش المسلمين تبوك لم يجد أحدا هنالك ، لأن الروم لما بلغهم مسير هذا الجيش الذي يؤثر الموت على الحياة اثروا الانسحاب إلى بلاد الشام ليتحصنوا بحصونها ، فلم ير النبي داعيا لتتبعهم داخل بلادهم ، وأقام عند الحدود يناجز من شاء أن يناجزه ويقاومه . وفود صاحب أيلة وأهل جرباء وأذرح « 3 » وأقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بتبوك بضعة عشر يوما ، ليريهم أن سلطان اللّه في الأرض لا يرهب أحدا ، وليؤمن الحدود الشمالية بمعاهدة المجاورين له .
--> ( 1 ) قنّع رأسه : غطاها بثوبه . ( 2 ) رواه البخاري ومسلم . ( 3 ) أيلة بفتح الهمزة وسكون الياء : قرية بين الحجاز والشام على خليج العقبة . والجرباء : قرية من أعمال عمان بالبلقاء من أرض الشام . أذرح بفتح الهمزة وسكون الذال ، وضم الراء اخره حاء مهملة : بلد في أطراف الشام من نواحي البلقاء مجاورة لأرض الحجاز ، وهي قريبة من الجرباء .