محمد بن محمد ابو شهبة

500

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

وأصيبوا بعسرة في الماء حتى عطشوا عطشا شديدا كادت تتقطع منه رقابهم ، حتى كان الرجل منهم ينحر بعيره فيعتصر ما في كرشه من ماء فيشربه ، ثم يجعل ما بقي على كبده ، فقال أبو بكر : يا رسول اللّه ، إن اللّه قد عوّدك في الدعاء خيرا ، فادع اللّه لنا . فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى أمطرت السماء ، فشربوا وملأوا ما معهم ، ثم ذهبوا فنظروا فلم يجدوها جاوزت العسكر . وقد ذكر ابن إسحاق أن هذه القصة كانت وهم بالحجر ، وأنهم قالوا لرجل معهم منافق : ويحك هل بعد هذا من شيء ؟ فقال : سحابة مارة ! ! . وهكذا لم ينفك المنافقون عن شكهم وإرجافهم ، بل قال بعضهم - يقال إنه زيد بن نصيب « 1 » - وقد ضاعت ناقة رسول اللّه : هذا محمد يخبركم أنه نبي ويخبركم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته ؟ فقال الرسول : « إني واللّه ما أعلم إلا ما علمني اللّه ، وقد دلني اللّه عليها ، هي في الوادي ، حبستها شجرة بزمامها » فانطلقوا فوجدوها كما أخبر الرسول فجاؤوا بها . وقد دلّل النبي بمقالته تلك على أنه نبي حقا يوحى إليه ، وهكذا الأنبياء لا يعلمون إلا ما علّمهم اللّه سبحانه ، ولا يزعمون لأنفسهم علم الغيب ، وإنما ذلك شأن المشعوذين والدجالين ، أما زيد بن النصيب فقيل : إنه تاب ، وقيل : ما زال منافقا حتى هلك . كن أبا خيثمة وكان أبو خيثمة رضي اللّه عنه ممن تخلّف من غير عذر ، فرجع بعد ما سار رسول اللّه إلى أهله في يوم حار ، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في بستان له ، وقد رشّت كل واحدة منهما عريشها ، وبرّدت فيه ماء ، وهيّأت فيه طعاما ، فلما رأى ذلك قال : رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الضح « 2 » ، والريح ، والحر ، وأبو خيثمة في

--> ( 1 ) في الإصابة : زيد بن لصيب بلام مهملة ومثناة مصغّرا ، وقيل بنون في أوله واخره مواحدة يعني باء ، ثم ذكر عن ابن إسحاق قصته هذه في تبوك ( الإصابة ج 4 ص 571 ) . ( 2 ) الضح بكسر الضاد : الشمس وضوؤها ( قاموس ) .