محمد بن محمد ابو شهبة

491

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

وفي اليوم السابع عقّ عنه بكبش ، وحلق رأسه أبو هند ، وتصدّق بوزن شعره ورقا « 1 » على المساكين ، ثم دفعه رسول اللّه إلى أم سيف امرأة قين بالمدينة يقال له : أبو يوسف لترضعه ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم ينطلق إلى بيت مارية كل يوم فيأخذه ويقبله ، وتنافست نساء الأنصار في إرضاعه ، فكان النبي يجاملهن ولا يرد لهنّ طلبا ، كما كان يغدق على من ترضعه الكثير من خيره وبره ، وأرصد لذلك قطعة من الغنم واللقاح فتروح كل ليلة على بيت من ترضعه فتشرب من لبنها وتسقي رضّعها حتى لقد أثار ذلك مكامن الغيرة في نفوس أزواجه . ورسول اللّه بشر وإنسان ، والأولاد ولا سيما البنين الصالحين ذكر باق بعد الموت ، وحياة موصولة لحياة الاباء ، فليس ببدع أن يهفو قلبه إلى إبراهيم ، وأن يحل إبراهيم من نفس النبي هذه المنزلة ، وأن يرى فيه العزاء والسلوى وهو في سن الستين عن فقد الأحبة قبل البعثة وبعدها ، وأن يملأ إبراهيم جانبا من جوانب القلب الإنساني الكبير . سرية بني المصطلق وبعث الرسول صلى اللّه عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط لأخذ صدقات بني المصطلق ، فلما علموا بقدومه خرج منهم عشرون رجلا متقلدين السلاح تحية أثناء قدومه ، ومعهم إبل الصدقة فلما رآهم الوليد هابهم وظن أنهم يريدون حربه لما كان بينه وبينهم من عداوة في الجاهلية ، فرجع مسرعا إلى المدينة وأخبر الرسول بما ظن ، فأرسل الرسول صلى اللّه عليه وسلم خالد بن الوليد في سريّة لتعرّف حقيقة أمرهم ، فسار إليهم حتى ديارهم ، وكمن بالقرب منهم ليلا ، فإذا بمؤذنهم يؤذن للصلوات ، فأتاهم خالد فلم ير منهم إلا الطاعة ، فأخذ الصدقات وعاد إلى المدينة وأخبر الرسول بخبرهم . وفي هذه الواقعة أنزل اللّه هذا التأديب الإلهي في قوله تعالى :

--> ( 1 ) الورق بكسر الراء : الفضة .