محمد بن محمد ابو شهبة

489

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

ما علمت من شيء حتى سمعت ما سمعتم ، وإنه يجير على المسلمين أدناهم » ، ثم انصرف إلى ابنته زينب فقال : « أي بنية أكرمي مثواه ، ولا يخلصنّ إليك ، فإنك لا تحلّين له » ، ثم حثّ رسول اللّه أصحابه على ردّ ما كان معه ، فردّوه بأسره ، فأخذه أبو العاص وذهب به إلى مكة فأعطى كل ذي حق حقه ، ثم قال لهم : هل بقي لأحد منكم عندي مال يأخذه ، قالوا : لا ، فجزاك اللّه خيرا ، فقد وجدناك وفيا كريما قال : فإني أشهد ألاإله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، واللّه ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردت أن اكل أموالكم ، فقد أداها اللّه إليكم . ثم خرج حتى قدم المدينة . وقد اختلفت الرواية في رد رسول اللّه إليه زوجته زينب أكان بالنكاح الأول ، أم بنكاح ومهر جديدين ؟ فالذي رواه ابن إسحاق عن ابن عباس أنه ردّها بالنكاح الأول ، وهو ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة ، وروى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة أن رسول اللّه ردّ بنته على أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد ، ولكن قال فيه الإمام أحمد : إنه حديث ضعيف ، والحديث الصحيح الذي روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أقرها على النكاح الأول ، والأول وإن كان صحيحا إلا أن العمل عند الفقهاء على الثاني ، فإن القاعدة عندهم أن المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر فإن كان قبل الدخول تعجلت الفرقة ، وإن كان بعده انتظر إلى انقضاء العدة ، فإن أسلم فيها استمر على نكاحها ، وإن انقضت ولم يسلم انفسخ نكاحها ، والسيدة زينب انقضت عدتها ولا محالة فقد نزل تحريم المسلمات على المشركين عام ست ، وأبو العاص أسلم سنة ثمان . ويعجبني في هذا الموضوع قول بعض العلماء : إن في قضية زينب والحالة هذه دليل على أن المرأة إذا أسلمت وتأخر إسلام زوجها حتى انقضت عدتها فنكاحها لا ينفسخ بمجرد ذلك ، بل يبقى بالخيار إن شاءت تزوجت غيره ، وإن شاءت تربصت وانتظرت إسلام زوجها أي وقت كان ، وهي امرأته ما لم تتزوج ، وهذا القول فيه قوة وله حظ من جهة الفقه واللّه أعلم « 1 » .

--> ( 1 ) البداية والنهاية ، ج 4 ص 332 ، 333 .