محمد بن محمد ابو شهبة

484

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

النبي : « واللّه لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدّقتم : جئتنا طريدا فاويناك ، وعائلا فاسيناك ، وخائفا فأمناك ، ومخذولا فنصرناك » فقالوا : المنّ للّه ولرسوله . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة - شيء يسير - من الدنيا تألّفت بها قوما أسلموا ، ووكلتكم إلى ما قسم اللّه لكم من الإسلام ؟ ! أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير ، وتذهبون برسول اللّه إلى رحالكم ، فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا ، وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار ، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار » « 1 » . فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم ، وقالوا : رضينا باللّه ربا وبرسوله قسما ، ثم انصرفوا . فهل سمعت في باب الاسترضاء أروع من هذه الخطبة البليغة الجامعة بين الحق والصراحة ، والرقة والاستعطاف ؟ وهل سمعت في تهدئة النفوس العاتية أو الثائرة مثل هذه الكلمات الرقاق التي تضرب على أوتار القلوب ، وتهز المشاعر ، وتستولي على الوجدان ؟ ومن أعجب العجب أنك لا تجد فيها كلمة مداهنة أو مخادعة ، أو كلمة مزوّقة دعت إليها المجاملة ، أو عدة بالوعود الكاذبة ، والأماني البراقة ، كما يفعل دهاقين السياسة ، وقواد الحروب ، وزعماء الإصلاح ولا سيما في العصر الحديث ، ولكنها النبوة التي تسمو عن كل هذا ، وتأبى إلا الإذعان للحق والإقرار بالفضل لذويه . عمرة الجعرانة واعتمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه بعد قسمة الغنائم من الجعرانة في أواخر ذي القعدة هذا العام ، ودخل مكة بليل ، فطاف وسعى ثم تحلل من عمرته ، ثم

--> ( 1 ) صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب غزوة الطائف ، وصحيح مسلم - كتاب الزكاة - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم .