محمد بن محمد ابو شهبة
480
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
قد جاؤوا تائبين ، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم ، فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل ، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول مال يفيء اللّه به علينا فليفعل » ، ثم قال : « ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم » ، فقال المهاجرون : وما كان لنا فهو لرسول اللّه ، وقال الأنصار مثل ذلك ، وتمنّع أناس منهم الأقرع بن حابس ، وعيينة بن حصن ، والعباس بن مرداس ، وما زال بهم رسول اللّه حتى أرضاهم . وبذلك ردّت إلى هوازن نساؤها وذراريها بفضل النبي وبره ورحمته ، وحسن كياسته وسياسته ، فهو صلى اللّه عليه وسلم يعلم أن العربي يضحّي بكل مال ، ولا يضحّي بامرأته ، وذريته ، ويموت راضيا في سبيل صيانة عرضه . وأكمل رسول اللّه بره وصلته ، فسأل وفد هوازن عن رئيسهم مالك بن عوف ، فقالوا هو بالطائف مع ثقيف فقال : « أخبروه أنه إن أتاني مسلما رددت إليه أهله وماله ، وأعطيته مائة من الإبل » ، فلما بلغ ذلك مالكا انسل من ثقيف خفية ، وركب فرسه حتى أتى رسول اللّه بالجعرانة ، أو بمكة ، فأسلم فردّ عليه رسول اللّه أهله وماله وأعطاه المائة ، مما جعل لسانه ينطلق بمدح النبي ، واستعمله النبي على من أسلم من قومه ، وقد أسرت هذه المعاملة الكريمة مالكا ، فكان يقاتل بمن أسلم من قومه ثقيفا ، لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى ضيّق عليهم . الشيماء بنت الحارث وكان في السبايا الشيماء بنت الحارث بن عبد العزّى أخت رسول اللّه من الرضاع ، وكان بعض المسلمين قد عنف عليها ، فقالت : واللّه إني لأخت صاحبكم من الرضاعة ، فلم يصدّقوها حتى أتوا بها رسول اللّه ، فتعرّف عليها ، وبسط لها رداءه ، وأجلسها عليه ، وقال لها : « إن أحببت فعندي محببة مكرمة ، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك فعلت ؟ » فقالت : بل تمتعني وتردني إلى قومي ، فمتعها وأعطاها وردها إلى قومها ويقال : إنه أعطاها غلاما يقال له مكحول وجارية فزوجتهما ، فلم يزل فيهم من نسلهما بقية .