محمد بن محمد ابو شهبة
477
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
الاستسلام ، وشرع المسلمون يقطعون الكروم ويحرقونها ، فلما رأى المشركون أن المسلمين جادون أرسلوا إلى الرسول مع أبي سفيان بن حرب ، والمغيرة بن شعبة أنه إن شاء فليأخذه لنفسه ، أو ليدعه للّه وللرحم ، وكان رسول اللّه عطوفا رحيما فتركه لهم . مشورة نوفل بن معاوية الدئلي ولما طال حصار الطائف استشار رسول اللّه نوفل بن معاوية الدئلي فقال : « ما رأيك في المقام عليهم » ؟ فقال : يا رسول اللّه ، ثعلب في جحر ، إن أقمت عليه أخذته ، وإن تركته لم يضرك . وكان رسول اللّه قد رأى رؤيا قصّها على صاحبه أبي بكر قال : « إني رأيت كأني أهديت لي قعبة مملوءة زبدا ، فنقرها ديك فهراق ما فيها » ، فقال الصدّيق ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد ، فقال رسول اللّه : « وأنا لا أرى ذلك » . ولما نما إلى الفاروق عمر ما قاله رسول اللّه أنه لم يؤذن له في اقتحام ثقيف جاء إلى الرسول فقال : أو ما أذن فيهم ؟ قال : « لا » ، فقال : أفلا أؤذّن بالرحيل ؟ قال : « بلى » ، فأذن بالرحيل . وعاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من غير أن يفتح الطائف ، ولو أن رسول اللّه أقام على حصارهم لاشتدّ بهم الجهد ، ولاضطروا بعد القتال إلى الاستسلام ، ولكن الحكمة الإلهية اقتضت أن يؤخر الفتح عامئذ ، لئلا يستأصلوا قتلا وأسرا ، وقد كان رسول اللّه - كما هو دأبه - حريصا على عدم الإسراف في القتل وإراقة الدماء ، كما كان حريصا على هدايتهم ، ولما قيل له وهم قافلون من الطائف : يا رسول اللّه أحرقتنا نبال ثقيف ، فادع اللّه عليهم ، قال : « اللهم اهد ثقيفا واكفنا مؤنتهم » . ولو أننا رجعنا القهقرى إلى ما قبل الهجرة ، وقد خرج إليهم داعيا إلى اللّه ، وأن يؤوه حتى يبلغ رسالة ربه لرأينا أنهم ردوا عليه وكذبوه ، وأغروا به الصبيان والسفهاء حتى رموه بالحجارة فأدموا عقبيه ، فرجع مغموما لم يستفق إلا عند قرن الثعالب ، فناداه جبريل فقال : إن اللّه قد سمع قول قومك لك