محمد بن محمد ابو شهبة
465
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
والظن بمثل خالد أنه إنما أراد نصرة الإسلام ، وأنه اجتهد في أمر وتأوّل فأخطأ ، ففهم من كلامهم صبأنا أنهم يتبرأون من الإسلام ، لا أنهم يريدون الإسلام . ولعل هذا هو السبب في أن النبي صلى اللّه عليه وسلم عذره ولم يعزله ، وإن كان تبرأ من فعله إلى اللّه ، وما كان رسول اللّه يداهن ، أو يخاف في الحق لومة لائم . وبعض من يعذر خالدا وينتصر له يزعم أنّ خالدا قال : ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد اللّه بن حذافة السّهمي ، وقال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم عن الإسلام ، وليس من شك في أن لخالد من المواقف المشهودة ، والتضحية بالنفس ، ما يغفر له مثل هذه الهنات ، واللّه يغفر لهم جميعا . تعويض النبي بني جذيمة عن الدماء والأموال ثم دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم علي بن أبي طالب وقال له : « يا علي ، اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم . واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك » . فخرج حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول اللّه معه ، فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من مال حتى ميلغة الكلب « 1 » ، وبقيت معه بقية من المال فقال لهم : هل بقي لكم دم أو مال لم يؤدّ لكم ؟ قالوا : لا ، قال : فإني أعطيتكم هذه البقية احتياطا لرسول اللّه مما لا يعلم ولا تعلمون ، ثم رجع إلى رسول اللّه فأخبره بما صنع فقال له : « أصبت ، أحسنت » . وبهذا التصرف النبوي الحكيم واسى النبي بني جذيمة ، وأزال ما في نفوسهم من أسى وحزن . هدم العزّى وبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خالد بن الوليد في ثلاثين فارسا لهدم العزّى ، وهي هيكل بنخلة تعظمه قريش وكنانة ومضر ؛ وكان ذلك لخمس بقين من رمضان ، فذهب إليها وهدمها وهو يقول : يا عزّ كفرانك لا سبحانك * إني رأيت اللّه قد أهانك
--> ( 1 ) الميلغة : إناء من خشب كان يعد لشرب الكلب .