محمد بن محمد ابو شهبة
438
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
الثياب ، فخافت وأخرجته من عقاصها ، فأتوا به إلى النبي فإذا فيه : « يا معشر قريش فإن رسول اللّه جاءكم بجيش كالليل ، يسير كالسيل . فو اللّه لو جاءكم واحده لنصره اللّه ، وأنجز له وعده ، فانظروا لأنفسكم ، والسلام » « 1 » . فقال النبي : « يا حاطب ما هذا ؟ » فقال : يا رسول اللّه لا تعجل علي ، إني كنت امرأ ملصقا في قريش - يعني حليفا ولم يكن من أنفسها - وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي بها ، ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام ، فقال الرسول العظيم : « أما إنه قد صدقكم » . فقال عمر : يا رسول اللّه دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال الرسول : « إنه قد شهد بدرا ، وما يدريك لعل اللّه قد اطّلع على من شهد بدرا فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » ، فبكى عمر وقال : اللّه ورسوله أعلم ! ! فأنزل اللّه هذا التأديب الإلهي وهو صدر سورة الممتحنة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ إلى قوله سبحانه : فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ « 2 » . العظيم من يرحم الضعفاء وإن لنا هنا لوقفة ، فما كان حاطب منافقا ، ولا ضعيف الإيمان ، بتزكية الرسول له . ولكن في النفس الإنسانية جوانب ضعف تطغى عليها في بعض الأحيان ، وتهوي بها إلى ما لا ترضاه لنفسها ، وكل بني ادم خطّاء ، وما كان هذا الضعف الإنساني ليخفى على صاحب القلب الكبير ، والقوي الأمين صاحب الخلق العظيم ، فلا تعجب إذا كان الرسول صدّقه فيما قال ، ورحم ضعفه ،
--> ( 1 ) فتح الباري ج 8 ص 420 . ( 2 ) سورة الممتحنة : الآية 1 .