محمد بن محمد ابو شهبة
433
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
بالكثير ، فاقتتلوا ساعة وتراموا بالنبل ، وحمل عليهم المسلمون فهزموا وتفرقوا ، وأوغلوا هربا في البلاد ، ثم عاد المسلمون منتصرين بعد أن أروهم سلطان الإسلام وسطوته . وفي الطريق أصيب عمرو بن العاص بجنابة من أثر احتلام ، فتيمم وصلّى بأصحابه ، فلما قدموا على رسول اللّه سألهم عن أحوالهم في غزوتهم كما هي عادته ، فأخبروه بما كان من أمر عمرو واحتلامه وتيممه وصلاته من غير اغتسال ، فقال رسول اللّه : « يا عمرو ، صليت بأصحابك وأنت جنب » ، فقال : يا رسول اللّه احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح ، وإني سمعت اللّه يقول : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ، فضحك النبي ولم يقل شيئا ، وكان سكوت النبي تقريرا له على هذا ، وتقريره أحد وجوه السنن المعروفة . وقد نجح عمرو في إرجاع هيبة الإسلام لأطراف الشام ، وإرجاع أحلاف المسلمين لصداقتهم الأولى ، ودخول قبائل أخرى في حلف مع المسلمين ، وإسلام الكثيرين من بني عبس ، وبني مرة ، وبني ذبيان ، وكذلك دخلت فزارة وسيدها عيينة بن حصن في حلف مع المسلمين ، وتبعها بنو سليم ، وعلى رأسهم العباس بن مرداس ، وبنو أشجع ، ومعظم من لم يكن قد حالف المسلمين من القبائل المجاورة للمدينة ، وأصبح المسلمون أقوى عنصر سياسي في شمال بلاد العرب ، وإن لم يكن في بلاد العرب جميعها « 1 » .
--> ( 1 ) محاضرات في السيرة وتاريخ الخلفاء للدكتور محمد مصطفى زيادة .