محمد بن محمد ابو شهبة

427

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

فنمضي له ، فقال عبد اللّه بن رواحة : يا قوم واللّه إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون : الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا اللّه به ، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين : إما ظهور وإما شهادة . فتشجع الناس وقالوا : صدق ابن رواحة ، وسار الجيش الإسلامي تحدوه الرغبة في إعزاز دين اللّه وحب الشهادة ، حتى التقوا بجموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء ( مشارف ) فانحاز المسلمون إلى مؤتة وتحصنوا بها . التقاء الجيشين والتقى الجمعان غير المتكافئين عددا وعدة ، وقاتل المسلمون قتال الأبطال ، وصمدوا أمام هذا الجيش العرمرم ، وقاتل زيد بن حارثة حامل اللواء حتى استشهد ، فولي القيادة جعفر بن أبي طالب وحمل اللواء ؛ وكان على فرس له شقراء ، فنزل عنها وعقرها ، وتقدم يقاتل وهو يحمل اللواء ويقول : يا حبذا الجنة واقترابها * طيبة وباردا شرابها والروم روم قد دنا عذابها * كافرة بعيدة أنسابها عليّ إن لاقيتها ضرابها وكان جعفر يحمل اللواء بيمينه فقطعت ، فأخذه بشماله فقطعت ، فاحتضنه بعضديه حتى ضربه رجل من الروم ضربة فقطعته نصفين ، فاستشهد وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة بعد أن خط في كتاب البطولة الإسلامية سطورا مشرقة ، وكان جزاؤه من ربه أن أبدله اللّه بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء ، ولما التمس في القتلى وجد به بضع وتسعون جرحا . وكان ابن عمر إذا حيّ ابن جعفر قال : السلام عليك يا ابن ذي الجناحين . فأخذ الراية عبد اللّه بن رواحة ، ثم تقدم بها في جموع الروم وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد وهو يقول : أقسمت يا نفس لتنزلنّه * لتنزلنّ أو لتكرهنّه