محمد بن محمد ابو شهبة
418
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
النبي ، فتناول الذراع ، فلاك منها قطعة فلم يسغها « 1 » ، وكان معه بشر بن البراء بن معرور ، وقد أخذ منها قطعة فأساغها ، وأما رسول اللّه فلفظها وقال : « إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم » . ثم دعا بها فاعترفت فقال لها : « ما حملك على هذا ؟ » قالت : بلغت من قومي ما لم يخف عليك ، فقلت : إن كان كذابا استرحنا منه ، وإن كان نبيا فسيخبر ، فتجاوز عنها ، ومات بشر من أكلته هذه . ويروى أن النبي قتلها به قصاصا ، وهكذا نجى اللّه نبيّه من غدر هذه اليهودية ، كما نجّاه من غدرهم وهمهم بقتله فيما قبل ، ولم يزل أثر هذا السم يعاود النبي صلى اللّه عليه وسلم كل عام حتى اختاره اللّه لجواره ، ففي صحيح البخاري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما زالت أكلة خيبر تعاودني حتى قطعت أبهري « 2 » » . تقسيم غنائم خيبر وبعد الموقعة وحيازة الغنائم خمّسها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأبقى الخمس لنفسه يصرفه في مصارفه ، ثم قسّم الباقي نصفين : نصفا قسمه في الغانمين ، ونصفا أرصده لما ينوبه من الحاجات والمصالح ، وقد جعل للفارس ثلاثة أسهم ، وللراجل سهما ، ولم يقسم رسول اللّه إلا لمن شهد الحديبية من حضر منهم خيبر ومن غاب ، ولم يغب عن خيبر ممن شهد الحديبية إلا جابر بن عبد اللّه ، فضرب له بسهمه ، وكذلك أسهم النبي لأصحاب السفينة الذين قدموا من الحبشة مع جعفر بن أبي طالب بعد أن استأذن أصحابه . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكّل إلى عبد اللّه بن رواحة أخذ النصف من غلتهم ، فشكوا إلى رسول اللّه شدة خرصه - تقديره - ، وأرادوا أن يرشوه ، فقال : يا أعداء اللّه تطعموني السحت ! ! واللّه لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي ، ولأنتم أبغض من القردة والخنازير ، ولا يحملني بغضي إياكم ، وحبي إياه على
--> ( 1 ) لاك : مضغها ، فلم يسغها : لم يبلعها . ( 2 ) الأبهر عرق متصل بالقلب إذا قطع مات الإنسان وهو كناية عن الموت .