محمد بن محمد ابو شهبة
404
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
ثم بين اللّه عز شأنه ما يجب أن يتخلّق به التابعون ومن جاء بعدهم إلى يوم القيامة ، وهو موقفهم من المهاجرين والأنصار خيار هذه الأمة الذين زكاهم اللّه ورسوله فقال : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ : رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ ، وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا ، رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ : فليتق اللّه الذين يتناولون الصحابة رضوان اللّه عليهم بالنقد الجريء والتجريح ، وليتأدبوا بأدب القران في هذا . ثم ذكر اللّه المنافقين وكيف أغروا بني النضير على المعاندة حتى يئسوا منهم ، ونزلوا على حكم الرسول فقال : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا . . . إلى قوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . وقد ذكرتها أثناء الغزوة . ثم بيّن اللّه أن اليهود لا يجرؤون على قتالكم إلا وهم متحصنون فقال تعالى : لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ ، بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ : أي هم يدّعون القوة والبأس فيما بينهم ، فإذا لقوكم انهارت قواهم ، وانماعت شجاعتهم ، والمراد بالحصون الحسية والمعنوية ، فتشمل الحصون المثبتة ، والمتاريس ، والخنادق ونحوها كما كان أولا ، وتشمل أيضا الدبابات والطائرات ، والقواعد التي يوجهون منها الصواريخ كما هو اليوم ، ولو لم يكن إلا عنايتهم ببناء المسالح ، والقرى المحصنة اليوم - المستعمرات - لكفى في بيان أسرار الإعجاز في الآية فاعتبروا يا أولي الأبصار . تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى : تحسب اليهود والمنافقين متفقين في ظاهرهم ولكنهم مختلفون في بواطنهم ، فأهواؤهم متشعبة وقلوبهم متفرقة . كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ : هم بنو قينقاع الذين سبقوا بالغدر والنذلة . وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ : فقد أجلوا في الدنيا ولهم العذاب في الآخرة . ثم بين سبحانه أن مثل المنافقين في إغرائهم اليهود وتخليهم عنهم كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ . . . الآيتين . وإلى هنا انتهى ما يتعلق ببني النضير .