محمد بن محمد ابو شهبة

379

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

من هؤلاء الثلاثة فقال لعلي : « أنت مني وأنا منك » وقال لجعفر : « أشبهت خلقي وخلقي » « 1 » وقال لزيد : « أنت أخونا ومولانا » ولما كبرت قال علي للنبي : ألا تتزوج ابنة حمزة فقال : « إنها ابنة أخي من الرضاعة » . وإن لنا هنا لوقفة عند هذه القضية الشائكة ، فكل من الثلاثة أدلى بحجته ، وعلي وجعفر تربطهما بالنبي صلة القرابة الوثيقة ، وهما بالنسبة للبنت أبناء عمومة ، وزيد تربطه بالنبي علاقة تربية ومحبة ، بهما اثر النبي على أهله حتى تبناه النبي ، ثم أبطل ذلك الإسلام فيما أبطل ، قضية محيّرة حقا ، ولكن ذا القلب الكبير والعقل الواسع قضى فيها خير ما يكون القضاء ، فزيد مهما نال من شرف الأخوة وحقها لحمزة فهو دون علي وجعفر في استحقاق ابنة حمزة ، وقد يرى بعض بني هاشم في تربيتها في بيت مولى لهم ما يخل بمنزلتهم في قريش ، أو ترى البنت الهاشمية في ذلك غضاضة عليها ، فبقي التفاضل بين علي وجعفر ، كلاهما من بني هاشم ، وكلاهما ابن عم لها ، وكلاهما من السابقين الأولين من المهاجرين ومنزلتهما في الإسلام معروفة ، فليكن التفاضل بما وراء ذلك فمن ثمّ قضى بها لجعفر ، لأن خالتها عنده والخالة كما قال الصادق المصدوق بمنزلة الأم . وقد يبدو بادىء الرأي أن عليا كان أولى بها ، لأنه ابن عم ، وزوجه بنت عم لها ، ولكن كيف ؟ وابنة العم مهما بلغت من الكرم والتسامح والرعاية لن تكون كالخالة ، وربما ترى في وجود ابنة العم معها - وهي من تحل لزوجها - منافسا لها ، فلا تعجب إذا كان صاحب القلب المضيء ، والنظر الرحيب ، قد قضى بهذا القضاء العادل الحكيم ، فقضى بها لجعفر ، أو إن شئت الدقة فقل لخالتها التي عنده : أسماء بنت عميس ، وهي من هي دينا وخلقا وتضحية في سبيل اللّه ورسوله . ولا يخفى على العارف بالنفوس البشرية وما يدبّ فيها من الخواطر والهواجس ما عسى أن يداخل نفوسهم من ألم أو خواطر لفوات ما كانت تحب

--> ( 1 ) الأولى بفتح الخاء وسكون اللام والثانية بضم الخاء واللام .