محمد بن محمد ابو شهبة

377

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

فإن موسى بن عقبة والحافظ البيهقي رويا هذا ، والمسلمون قد قاتلوا المشركين على تأويله ، كما قاتلوهم على ما أوجبه التنزيل « 1 » . ودخل المسلمون المسجد الحرام ليطوفوا بالبيت ، وكان المشركون قد أرجفوا وقالوا : إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمّى يثرب ، وتطلعوا من رؤوس الجبال ليروا الذين أضعفتهم الحمى والغربة ، فلما علم النبي بهذه المقالة اضطبع بردائه وصار يهرول « 2 » ، وأمر المسلمين أن يضطبعوا ويهرولوا وقال : « رحم اللّه امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة » فكان إذا استلم الحجر الأسود هرول وهرولوا ، حتى إذا استلم الركن اليماني وواراه البيت منهم مشى ومشوا حتى يستلم الركن عند الحجر الأسود ، هكذا فعل الأشواط الثلاثة الأولى ومشى في الأربعة الباقية ، ولولا الرحمة بهم ، والإشفاق عليهم لهرول بهم الأشواط كلها . وبعد الطواف وصلاة ركعتين عند مقام إبراهيم سعوا بين الصفا والمروة ، ثم حلقوا وذبحوا هداهم ، وبذلك تمت عمرتهم . ورأى المشركون هذا المشهد المؤثر المعبّر فخاب ظنهم ، ولم يكتموا ما بأنفسهم ، فقالوا : ما يرضون بالمشي ، أما إنهم لينفرون نفر الظباء ، وازدادوا كمدا إلى كمد . إقامة النبي بمكة ومكث النبي والمسلمون بمكة ثلاثة أيام ، يطوفون بالبيت ويصلون ، ويعبون من ماء زمزم ، وقد قضوا بعض حاجات النفس المشوقة إلى بيت اللّه

--> ( 1 ) البداية والنهاية ، ج 4 ص 228 ؛ فتح الباري ، ج 7 ص 402 . ( 2 ) الاضطباع : أن يضع منتصف إزاره تحت إبطه اليمنى ، ثم يطرح طرفه على كتفه اليسرى . والهرولة فوق المشي العادي ، ودون الجري مع تقارب الخطا وهز الكتفين ، وهي مشية تنم عن القوة والفتوة ، وهذا أصل هذه السنة ، ثم أبقاها الشارع لما فيها من التذكير بنعمة اللّه على المسلمين حيث أعزهم بعد ذلة ، وقواهم بعد ضعف ، ونصرهم ومكن لهم في الأرض بعد ضيعة ، وقد ذكر المرحوم الشيخ الخضري في سيرته : أن النبي طاف بالبيت وهو على ناقته ، واستلم الركن بمحجن في يده ، وهذا ليس بصحيح ، وإنما كان ذلك في حجة الوداع ، وهذا الذي ذكرناه هو ما ذكره ابن إسحاق وثبت في الأحاديث الصحاح .