محمد بن محمد ابو شهبة

375

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

عمرة القضاء والقضية والقصاص « 1 » ها هو العام قد استدار ، وحلّ ميعاد عمرة القضاء ، فما إن وافى ذو القعدة من عام سبعة حتى أذن مؤذن رسول اللّه أن يتجهزوا للعمرة ، وخرج مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كل من كان معه بالحديبية إلا من مات أو استشهد ، وخرج معه آخرون حتى بلغت عدتهم ألفين ، واستخلف على المدينة عويف بن الأضبط الديلي وقيل أبارهم ، وسار رسول اللّه يلبي والمسلمون يلبون بعد أن أحرموا بالعمرة ، وساقوا أمامهم الهدي ، وشهدت الصحراء هذا المشهد الرائع الذي لم تشهده من قبل ، وعجّت الصحراء بالتهليل والتكبير والتلبية ، والمسلمون يغذون السير يحدوهم الشوق إلى بيت اللّه الحرام ، ويستخفهم الفرح بالعودة إلى البلد الطيب الذي فيه ولدوا ، وعلى ترابه ترعرعوا ، وفي مغانيه كانت ذكريات الطفولة ومارب الشباب . وكان رسول اللّه - رعاية للحيطة ، وأخذا للحذر - قد ساق أمامه الخيل وعليها محمد بن مسلمة ، والسلاح مع بشير بن سعد ، حتى إذا غدر أهل مكة

--> ( 1 ) سميت عمرة القضاء لأنها كانت قضاء عن العمرة الأولى ، وأنكر السهيلي ذلك وقال : سميت بالقضاء لأنها كانت بسبب التقاضي والصلح بين المسلمين والمشركين في الحديبية ، وتسمى عمرة القضية أيضا لما ذكرنا ، وتسمى عمرة القصاص لأنها كانت قصاصا عن عمرة الحديبية ، وقيل لقول اللّه تعالى : وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ لأنهم لما منعوا المسلمين من الاعتمار في شهر حرام كان جزاؤهم أن يدخلوا عليهم مكة في شهر حرام من العام القابل .