محمد بن محمد ابو شهبة
362
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
فوفد حاطب على المقوقس وكان بمدينة الإسكندرية ، فناوله الكتاب ، فقبّله وأكرم حاطبا وأحسن نزله . ثم بعث إلى وفد جمع بطارقته ، وقال : إني سائلك عن كلام ، فأحب أن تفهم عني ، قال : قلت هلمّ ، قال : أخبرني عن صاحبك أليس هو نبي ؟ قلت : بلى ، هو رسول اللّه ، قال : فما له حيث كان هكذا لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها ؟ ! قال : فقلت : عيسى بن مريم أليس تشهد أنه رسول اللّه ؟ قال : بلى ، قلت : فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه ألا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم اللّه حيث رفعه اللّه إلى السماء الدنيا ؟ ! . فسر منه وقال له : أنت حكيم قد جاء من عند حكيم « 1 » ، ثم قال إني نظرت في أمر هذا النبي فوجدت أنه لا يأمر بمزهود فيه ، ولا ينهى عن مرغوب فيه ، ولم أجده بالساحر الضال ، ولا الكاهن الكذاب ، وسأنظر ، ثم كتب ردّ الخطاب ، فقال فيه : ( لمحمد بن عبد اللّه من المقوقس عظيم القبط ، سلام عليك أما بعد : فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه ، وما تدعو إليه ، وقد علمت أن نبيا قد بقي ، وكنت أظنه بالشام ، وقد أكرمت رسولك ، وبعثت لك بجاريتين لهما مكان عظيم في القبط ، وبثياب ، وأهديت إليك بغلة تركبها والسلام ) . وإحدى الجاريتين مارية التي تسرّاها رسول اللّه وولدت له إبراهيم ، والأخرى أعطاها حسان بن ثابت ، فولدت له عبد الرحمن بن حسان وقيل أربع جوار ، ومما أهدي غلام خصي اسمه « مابور » وحمار أسمي عفيرا أو يعفور ، وقد أسمى النبي البغلة دلدلا ، وكانت فريدة ببياضها بين البغال التي عرفتها بلاد العرب . وخطاب المقوقس هذا يدل على إكباره لرسول اللّه كما يدل على أنه لم يسلم ، ولم يبعد ، والذي يبدو أن الرجل خاف على ملكه ، ولولا هذا لامن ونال حظه من الإسلام .
--> ( 1 ) البداية والنهاية ، ج 4 ص 273 .