محمد بن محمد ابو شهبة
359
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
موقف هرقل من الكتاب ولما وصل الكتاب إلى هرقل وكان الرجل عاقلا قال : ائتوني برجل من قومه أسأله عنه ، فالتمسوه ، فصادفوا أبا سفيان في ركب من قومه ذاهبين بتجارتهم إلى الشام بعد صلح الحديبية ، فجاؤوا بهم إليه ، فسألهم بوساطة ترجمانه أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ فقال أبو سفيان : أنا ، فقال له : ادن مني ، فأجلسه أمامه ، ثم أجلس بقية قومه خلفه حتى لا يخجلوا من ردّ كذبه عليه إذا كذب . ثم سأله عن نسبه ، وهل ادّعى ذلك أحد قبله ، وعن مبلغ صدقه ؟ وهل كان من ابائه من ملك ؟ وأيتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم ؟ وأيزيدون أم ينقصون ؟ وهل يرتد أحد من أتباعه سخطة لدينه ؟ وهل يغدر إذا عاهد ؟ وكيف حربكم وحربه ؟ وبم يأمركم ؟ كل ذلك وأبو سفيان يجيب بما هو الحق . ثم استخلص هرقل الحق من كلام أبي سفيان فقال له : إني سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب ، وكذلك الرسل تبعث في نسب من قومها . وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله ، فزعمت أن لا ، فلو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت : رجل يأتم بقول قيل قبله . وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ، فزعمت أن لا ، فقلت ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على اللّه . وسألتك هل كان من ابائه ملك فقلت : لا ، فلو كان من ابائه ملك لقلت : رجل يطلب ملك أبيه ، وسألتك أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم ؟ فقلت ضعفاؤهم ، وهم أتباع الرسل ، وسألتك أيزيدون أم ينقصون ؟ فقلت : بل يزيدون ، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم ، وسألتك أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ فذكرت أن لا ، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب . وسألتك هل يغدر ؟ فذكرت أن لا ، وكذلك الرسل لا تغدر . وسألتك هل قاتلتموه ؟ فقلت : نعم ، وأن الحرب بيننا وبينه سجال ، وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة ، وسألتك بماذا يأمر ؟ فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئا ، وينهاكم عما كان يعبد اباؤكم ، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف ، والوفاء بالعهد وأداء الأمانة .