محمد بن محمد ابو شهبة

347

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

الفريقين عن الاخر لحكم بالغة يعلمها ، وأوجد بينهم صلحا فيه خيرة للمؤمنين ، وعافية لهم . وكان المشركون قد أرسلوا عيونا على المسلمين نحوا من سبعين ، فأسرهم المسلمون وجاؤوا بهم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فعفا عنهم بعد أن أمكنه اللّه منهم . ثم قال تعالى : هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ : أن تعتمروا به . وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ، يعني وصدّوا الهدي الذي سقتموه وبقي محبوسا بالحديبية عن أن يبلغ محل نحره وهو الحرم ، ثم بين سبحانه الحكمة في أنه لم يأذن له في القتال مع قدرتهم عليه بقوله : وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ : هم المستضعفون والمستضعفات ممن أسلموا وأقاموا بمكة ولم يستطيعوا الهجرة . لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ : أي تقتلوهم بغير علم . فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ : أي ينالكم بقتلهم سبة وإثم ويقول المشركون : قتلوا إخوانهم في الدين ، وجواب لولا محذوف تقديره لسلطناكم عليهم فقاتلتموهم وأبدتموهم . لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ متعلق بمحذوف أي كففناكم عنهم ليكون لهم فسحة فيفيء بعضهم إلى الإسلام ، وهذا ما كان ، فقد أسلم منهم بين الحديبية والفتح أبطال مغاوير كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص ، وعثمان بن طلحة بن عبد الدار . لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً : تزيلوا : تميزوا ، يعني لو تميز المؤمنون عن الكافرين لسلطناكم عليهم فقتلتموهم قتلا ذريعا . إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ : حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ : هي الغضب والأنفة فأبوا أن تدخلوا مكة معتمرين ، وأبو أن يكتبوا : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، وأبو أن يكتبوا : محمد رسول اللّه . فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ : فلم تأخذهم الحمية فيعصوا اللّه في قتالهم ، ولكنهم كظموا غيظهم ، وأذعنوا لنبيهم . وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى : هي كلمة الإيمان : لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ، فعملوا بموجبها ووقفوا عندما أمر اللّه ورسوله : وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها : أحق بكلمة التقوى وأهلا للعمل بها واحترامها . وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً . فقد وسع علمه كل شيء ، أما علمكم فقاصر ، ومن كان هذا