محمد بن محمد ابو شهبة
346
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
ثم بيّن سبحانه رضوانه على أهل بيعة الحديبية فقال : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ : هي شجرة سمرة كانت هناك ، وقد بني عندها مسجد ، وقد كان الناس يأتون الشجرة ويصلون عندها ، حتى كان زمان خلافة الفاروق عمر فقطعها خشية افتتان البعض بها . فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ من الإيمان فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ، وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً : هو صلح الحديبية . وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها : هي مغانم خيبر . وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً : لا يغالبه غالب . وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها : هي جميع المغانم التي غنموها فيما بعد من العرب وغيرهم . فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ مغانم خيبر . وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ : لم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة ، وكذلك كف أيدي اليهود وغيرهم عمن خلفتموهم وراء ظهوركم بالمدينة من عيالكم ونسائكم . وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ : عبرة لهم أن اللّه ناصرهم ، وأن الخيرة فيما اختاره اللّه لهم ، وإن كرهوه في الظاهر . وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً : بانقيادكم لأمره وطاعتكم لرسوله . وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً : الأخرى : قيل فتح مكة ، وقيل : فتوح فارس والروم . ثم بين سبحانه أنه لم يختر لهم القتال لحكم تجلت ، لا لضعفهم ، ولو أنهم قاتلوكم لانتصرتم عليهم فقال : وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً : من دون اللّه ، أما أنتم فاللّه وليكم وناصركم . سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا : أي سنة اللّه وعادته في الأمم أن ينتصر أهل الإيمان على أهل الكفر ، والحق على الباطل ، وأن العاقبة والنصر في النهاية إنما هي للمتقين المخلصين . ثم قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ، وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً : امتنان من اللّه على عباده المؤمنين حيث كفّ أيدي المشركين عنهم فلم ينلهم منهم سوء ، وكف أيدي المسلمين عن المشركين فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام ، وصد كلّا من