محمد بن محمد ابو شهبة
345
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
ثم بيّن سبحانه أن تخلفهم ليس لعذر وإنما هو تخلف نفاق فقال : بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً : طمعا أن يستأصلهم العدو وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ زيّنه لكم الشيطان والهوى وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ : وهو أنهم لن يرجعوا وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً هلكى . وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً : نارا مسعّرة وهو تسجيل عليهم بالكفر ، ثم بيّن سبحانه أنه المتصرف في الكون كله على حسب مشيئته فقال : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً : فمن تاب منكم وندم فباب المغفرة مفتوح له . ثم بيّن سبحانه أن هؤلاء المتخلفين لا همّ لهم إلا المغنم ، ولا يعنيهم نصرة الإسلام فقال : سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ هي مغانم خيبر . يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ هو ما وعد اللّه أصحاب بيعة الرضوان أن مغانم خيبر لهم واحدهم لا يشاركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين . قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ : أي من قبل مرجعنا إليكم أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية . فَسَيَقُولُونَ : بَلْ تَحْسُدُونَنا أن نشرككم في الغنائم ، فردّ اللّه عليهم زعمهم فقال : بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا الفقه : الفهم والعلم . ثم بين سبحانه أن لهم فرصة لتدارك ما فاتهم والتكفير عن سيئاتهم فقال : قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ : هم بنو حنيفة وأضرابهم من المرتدين ، وقيل : أهل فارس والروم تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ أي ينقادون إليكم بلا قتال ويدخلون في سلطانكم فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً النصر في الدنيا والثواب في الآخرة . وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ في الحديبية يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً : بالذلة في الدنيا والعذاب في الآخرة ، ثم بين سبحانه أصحاب الأعذار في القعود عن الجهاد ، فمنها لازم كالعمى والعرج ، ومنها عارض كالمرض فقال : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ ، وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ ، وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ الآية .