محمد بن محمد ابو شهبة

331

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

يمنعني ، وقد عرفت قريش عداوتي إياها ، وغلظتي عليها ، ولكني أدلك على رجل أعزّ بها مني : عثمان بن عفان ، فقبل الرسول منه الاعتذار ، واستحسن ما عرضه عليه ، فدعا عثمان فأرسله إلى أبي سفيان وأشراف قريش ليخبرهم بقصد رسول اللّه ، فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاصي « 1 » ، فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلّغ رسالة رسول اللّه ، فقالوا لعثمان : إن شئت أن تطوف بالبيت فطف ، قال : ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ! ! بيعة الرضوان واحتبست قريش عثمان عندها ، وبلغ رسول اللّه والمسلمين أن عثمان قد قتل ، فقال رسول اللّه : « لا نبرح حتى نناجز القوم » ودعا إلى البيعة تحت شجرة سمرة هناك ، فبايعه بعضهم على الموت ، وبعضهم على ألايفروا ، ولم يتخلّف عن المبايعة إلا الجدّ بن قيس ، فقد لصق بإبط ناقته يستتر من الناس ، وكان أول من بايع أبو سفيان وهب بن محصن أخو عكاشة بن محصن ، ولما تمت البيعة للحاضرين ضرب رسول اللّه بإحدى يديه على الأخرى وقال : « وهذه لعثمان » ، فكانت يد رسول اللّه لعثمان خيرا من يده لنفسه ، وهذه البيعة هي بيعة الرضوان لقول اللّه سبحانه وتعالى : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً « 2 » . وهو صلح الحديبية . وبهذه البيعة أصبح المسلمون على استعداد لمناجزة قريش ، وجعل كل واحد منهم يترقب يوم الظفر ويوم الاستشهاد بنفس راضية وقلب مطمئن . وإنهم لفي استعداد للمناجزة إذ ترامى إليهم أن عثمان لم يقتل ، ثم لم يلبث أن جاء إليهم سالما ، وبذلك كفى اللّه المؤمنين القتال ، وحقق رغبتهم في السلام .

--> ( 1 ) هو ابن عم عثمان ، قيل أسلم قديما ، وهاجر مع زوجته فاطمة بنت صفوان كما ذكره ابن إسحاق ، والأكثرون على أنه أسلم أيام خيبر وشهدها مع النبي صلى اللّه عليه وسلم . ( 2 ) سورة الفتح : الآية 18 .