محمد بن محمد ابو شهبة

324

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

هاد بالطرق خرّيت ، ومعي خنجر مثل خافية النسر ، فأعطاه راحلة ونفقة وأوصاه أن يخفي أمره ، فخرج الرجل حتى وصل المدينة ، فسأل عن النبي حتى انتهى إليه وهو في جماعة من أصحابه ، فلما راه قال : « إنّ هذا الرجل يريد غدرا ، واللّه حائل بينه وبين ما يريد » فوقف فقال : أيكم ابن عبد المطلب ؟ فقال النبي : « أنا » فذهب ينحني على رسول اللّه كأنه يسر إليه شيئا ، فجبذه أسيد بن حضير وقال : تنحّ عن النبي ، وجذب بداخل إزاره فإذا الخنجر ، فقال : يا رسول اللّه هذا غادر ، فأسقط في يد الأعرابي وقال : دمي ، دمي ، وأخذ أسيد بن حضير بتلابيبه ، فقال له النبي : « اصدقني ما أنت وما أقدمك ؟ فإن صدقتني نفعك الصدق ، وإن كذبتني فقد أطلعت على ما هممت به » فقال الأعرابي فأنا امن ؟ قال : « وأنت امن » فأخبر النبي بخبر أبي سفيان وما جعل له . فحبس عند أسيد بن حضير ، ثم دعا به من الغد فقال : « قد أمنتك فاذهب حيث شئت أو خير لك من ذلك ؟ » قال : وما هو ؟ فقال النبي : « أن تشهد ألاإله إلا اللّه وأني رسول اللّه » فأسلم الرجل وقال : يا محمد ما كنت لأفرق من الرجال ، فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي وضعفت ، ثم أطلعت على ما هممت به ، وما سبقت به الركبان ولم يطلع عليه أحد ، فعرفت أنك ممنوع ، وأنك على حق ، وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان ! ! فجعل النبي يبتسم . وأقام الرجل أياما ، ثم استأذن وخرج ، ثم أراد النبي أن يجازي أبا سفيان بما صنع ، فقال لعمرو بن أمية الضمري - وكان شجاعا فاتكا في الجاهلية - ولسلمة بن أسلم بن حريش : « اخرجا حتى تأتيا أبا سفيان بن حرب ، فإن أصبتما منه غرة فاقتلاه » فخرجا حتى أتيا مكة ، وطافا بالبيت وصلّيا ركعتين ، ففطن أهل مكة لعمرو وقالوا : ما جاء عمرو إلا بشر وهمّوا بقتلهما ، ففرا حتى قدما المدينة ولم يقضيا مما أرادا وطرا ، وهكذا أراد رسول اللّه أمرا ، وأراد اللّه أمرا ، وكان ما أراد اللّه ، فقد نجّى أبا سفيان حتى أسلم ليلة الفتح ، وتشرّب بهذا الدين الحنيف ، وصار من أنصاره بعد أن كان من أعدى أعدائه .