محمد بن محمد ابو شهبة
318
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
في عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام من صفاء ورمز إلى التوحيد والواحدة والألفة والمحبة . وللحج حكمته وفلسفته التي لا يتسع لها المقام هنا ، ولو لم يكن فيه إلا أنه مؤتمر المسلمين الأكبر لكفى ، فما بالك وفيه ما فيه من تزكية النفوس والسمو بالأرواح وغفران الذنوب ، والتقوى والمساواة بين الناس جميعا ، وألوان العبر والعظات ! ! . نعم إنه المؤتمر السنوي الأكبر الذي يتلاقى فيه المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها ، فيتقاسمون السراء والضرّاء ، ويتجاوبون في الآلام والآمال ، ويتشاورون في كل ما يهمهم من أمور دينهم ودنياهم ، ويتعاونون على البر والتقوى ، والتكافل والتناصر ، ألا ما أعظمه من مؤتمر لو اهتبل فرصته المسلمون ! ! وليس في الحج وثنية كما يزعم بعض أعداء الإسلام ، وليس أدل على ذلك من أن كل شعيرة ونسك من مناسكه لا ينفك عن التهليل والتكبير ، والثناء على اللّه العلي العظيم ، وإنما الأمر كما قيل : أمرّ على الديار : ديار سلمى * أقبّل ذا الجدار ، وذا الجدارا وما حبّ الديار شغفن قلبي * ولكن حبّ من سكن الديارا فالطواف بالكعبة ليس تعظيما للحجارة ، وإنما هو تعظيم لرب البيت ، وتقبيل الحجر الأسود ليس حبا للحجر ، وإنما هو حب لرب الحجر ، وهو اللّه سبحانه ، وعلى المسلم إذا خفي عليه شيء من حكم تشريعات اللّه تبارك وتعالى أن يقول : سمعنا وأطعنا ، لا يتهم الشريعة ، بل يتهم عقله القاصر ، ويقول كما قال الفاروق الملهم العبقري : ( اللهم إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبلك ما قبلتك ) « 1 » .
--> ( 1 ) رواه البخاري .