محمد بن محمد ابو شهبة

292

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

شحّهم عليكم إنما هو لأن أنفسهم شحيحة بالخير أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ ، وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً فإن من شأن النفاق أن يحبط اللّه به الأعمال فلا ثواب لها . ثم بينّ اللّه شدّة خوفهم وجبنهم فقال : يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا ، وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ - يعني مرة ثانية - يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ أي مقيمون في البادية حتى لا يصيبهم أذى يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ ، وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا يعني أنهم حتى وهم مقيمون بالبادية لا يجرؤون أن يتعرفوا أخباركم بأنفسهم ، بل يتعرّفونها ممن يأتي من ناحيتكم ، ومثل هؤلاء لا ترجون قتالهم معكم ونصرتهم لكم ، لأنهم إن قاتلوا فمرااة وسترا لنفاقهم وتضليلا لغيرهم . ثم أقبل على المؤمنين فقال : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً الأسوة بضم الهمزة وكسرها : القدوة ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم محل القدوة في الصبر والشدائد ، والثبات في الحروب ، والصدق عند اللقاء ، وفي كل شيء محل الائتساء ، وإنما يأتسي برسول اللّه الذين يرجون رحمة اللّه وثواب الآخرة ، ولا ينفكون عن ذكر اللّه ، ومثل هؤلاء قلوبهم حاضرة ، وضمائرهم حية ، وأعمالهم كلها خير وصلاح . ثم ذكر اللّه سبحانه المؤمنين وصدقهم في عقيدتهم ، وتصديقهم بما وعدهم اللّه ورسوله مهما عظم البلاء ، وأن ذلك لا يزيدهم إلا ثباتا على الإيمان ، وصبرا على البلاء ، وتسليما للقضاء ، فقال سبحانه : وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا : هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً فانظر الفرق بين الصورتين : صورة المؤمنين المشرقة ، وصورة المنافقين المخزية . ثم بيّن سبحانه أن من المؤمنين من سبق إلى الشهادة ، ووفى بعهده ، وأن منهم من ينتظرها ويترقبها ، وأن هؤلاء وأولئك صدقوا اللّه بالإيمان ، وثبتوا على الوفاء ، فقال عزّ شأنه : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ، وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا النحب : النذر اللازم ،