محمد بن محمد ابو شهبة
291
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها بالمد ، أي لأعطوها ، وبغيره أي لجاؤوا بها ، والمراد بالفتنة الشرك والردة ، أقطارها : جوانبها وهي المدينة وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً يعني أنهم لو سئلوا الفتنة لما تريّثوا في الإجابة إلا قليلا ثم أعطوها ، وهذا يدل على نفاقهم وضعف اعتقادهم وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ ، وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا هم بنو حارثة همّوا أن ينكصوا يوم أحد مع بني سلمة فثبتهما اللّه ، ثم عاهدوا اللّه ألايعودوا لمثلها أبدا ، فلما كانت غزوة الأحزاب نكصوا وعادوا لما هموا به . ثم بيّن سبحانه أن الجبن لا ينجي من القدر ، وأن الموت بسيف ، أو بدونه لابد أن يكون ، وهبوا أنكم فررتم من أسباب الموت فما تتمتعون في الحياة إلا قليلا ، فإن الحياة مهما طالت فهي قصيرة وعمر تأكله ذرات الدقائق والثواني وإن كثر فهو قليل ، فقال : قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ ، وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ثم بيّن سبحانه أن الموت والحياة ، والخير والشر بيد اللّه ، ولو أراد اللّه بكم سوا نزل بكم ، ما عصمكم منه أحد منكم ولو أراد بكم خيرا ما منعه أحد عنكم ، فقال : قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً وليا ينفعكم ، ونصيرا يدفع الضر عنكم . ثم قال سبحانه : قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ المنكّصين من القتال ونصرة الإسلام وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا ، وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا هلمّ : تعالوا ، البأس : الحرب ، وهم عبد اللّه بن أبيّ ومن رجع معه إلى المدينة ، فلم يكتفوا بزلتهم بل حاولوا استزلال غيرهم إلى القعود عن نصرة رسول اللّه أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ بخلاء بالمعونة والإنفاق في سبيل اللّه . ثم صوّر اللّه جبنهم أبلغ تصوير بقوله : فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ، تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ جاء الخوف أي أسبابه لم تستقر أعينهم على حال ، كالذي غشيته سكرات الموت فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ نالوكم بألسنة بذيئة سليطة أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ يعني أن