محمد بن محمد ابو شهبة

259

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش ، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب ، فأممت منزلي الذي كنت فيه ، وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت ، وكان صفوان بن المعطّل السلمي من وراء الجيش ، فأدلج « 1 » فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان نائم ، فأتاني فعرفني حين رآني ، وكان يراني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه « 2 » حين عرفني ، فخمّرت - غطيت - وجهي بجلبابي ، واللّه ما كلمني كلمة ، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، حتى أناخ راحلته فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة ، حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة « 3 » ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولّى كبره عبد اللّه بن أبي ابن سلول . فقدمنا المدينة ، فاشتكيت حين قدمت شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك ، وهو يريا بني في وجعي أني لا أعرف من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي ، إنما يدخل عليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيسلّم ثم يقول : « كيف تيكم ؟ » « 4 » ثم ينصرف ، فذاك يريا بني ولا أشعر بالشر . حتى خرجت بعد ما نقهت « 5 » ، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع « 6 » وهو متبرزنا ، وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل . . . فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف ، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق ، وابنها مسطح بن أثاثة « 7 » ، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي وقد فرغنا من شأننا ، فعثرت أم مسطح في مرطها ، فقالت : تعس مسطح ،

--> ( 1 ) أدلج بتشديد الدال : سار من اخر الليل . ( 2 ) قوله : « إنا للّه وإنا إليه راجعون » إعظاما وتألما لما حدث من تأخرها بغير قصد . ( 3 ) موغرين : نازلين للاستراحة . نحر الظهيرة : في وقت شدة الحر . ( 4 ) تيكم : اسم إشارة للمؤنثة . ( 5 ) نقه : بفتح القاف الذي برأ من مرضه ولم تكتمل صحته . ( 6 ) المناصع : مكان خارج المدينة . ( 7 ) مسطح : بكسر الميم وسكون السين . أثاثة : بضم الهمزة .