محمد بن محمد ابو شهبة
255
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
من قومه فقال : هذا ما فعلتم بأنفسكم ، أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ، أما واللّه لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم . فسمع ذلك زيد بن أرقم فسعى إلى رسول اللّه فأخبره ، وعنده عمر بن الخطاب سيف الحق ، فاستأذن رسول اللّه في قتله ، أو أن يأمر به من يقتله ، فقال ذو الخلق العظيم ، والسياسي الحكيم : « فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ، ولكن اذن بالرحيل » . اعتذار ابن أبيّ ولما بلغ ابن أبيّ أن زيدا أخبر الرسول بما سمع منه ذهب إلى رسول اللّه ، وحلف باللّه ما قلت ما قال لك ، ولا تكلمات به ، فقال بعض الحاضرين من الأنصار من أصحابه لرسول اللّه : عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ، ولم يحفظ ما قال الرجل ، ترضية للرسول ، ودفعا عن ابن أبيّ . سير النبي بالجيش ليشغلهم عن الفتنة وارتحل النبي بالمسلمين في وقت لم يكن يرتحل فيه ، فلقيه أسيد بن حضير ، فحياه بتحية الإسلام وسلّم عليه ، وقال : يا رسول اللّه لقد رحت في ساعة ما كنت تروح في مثلها ؟ فقال له : « أو ما بلغك ما قال صاحبكم » ؟ قال : أي صاحب يا رسول اللّه ؟ قال : « عبد اللّه بن أبيّ » ، قال : وما قال ؟ قال : « زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل » ! فقال أسيد : فأنت يا رسول اللّه تخرجه منها إن شئت ، هو - واللّه - الذليل وأنت العزيز ، ثم قال : يا رسول اللّه ، ارفق به ، فو اللّه لقد جاءنا اللّه بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوّجوه ، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا . وسار رسول اللّه بالناس يومهم ذلك حتى أمسى ، وليلتهم حتى أصبح ، وصدر يومهم الثاني حتى اذتهم الشمس ، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مسّ الأرض فوقعوا نياما . وبهذا التصرف البالغ الغاية في السياسة الرشيدة قضى على الفتنة قضاء مبرما ، ولم يدع مجالا للحديث فيما قال ابن أبيّ .